بقلم: ا. د. محمد طاقة
عاشت البشرية منذ فجر التاريخ تحت وطأة
أشكال متعددة من الطغيان والاستبداد. فالصراع بين القوة والضعف ، وبين الهيمنة والمقاومة ، يكاد يكون أحد الثوابت التي رافقت تطور المجتمعات الإنسانية عبر العصور .
ومنذ ان عرف الإنسان التنظيم السياسي والاجتماعي ظهرت فئات أو جماعات استطاعت بفضل امتلاكها عناصر القوة ، من مال وسلاح ونفوذ ، ان تفرض ارادتها على الآخرين وتتحكم بمصائرهم .
لقد تعلم الإنسان منذ القدم ان القوي يفرض شروطه على الضعيف ، وان العلاقات البشرية لم تكن دائما قائمة على العدالة والمساواة، بل كثيراً ما خضعت لموازين القوة .
ولهذا شهد التاريخ صراعاً دائماً بين أقلية تمتلك السلطة والثروة ووسائل الانتاج ، وأكثرية لا تمتلك سوى قوة عملها .
وقد عبر العديد من المفكرين عن هذه الحقيقة ، ومن أبرزهم (( كارل ماركس)) الذي رأى ان تراكم الثروة في جانب من المجتمع ، يقابله في الوقت نفسه تراكم الفقر والبؤس في الجانب الاخر .
من هم الطغاة ؟
الطاغية هو الحاكم أو النظام الذي يستأثر بالسلطة ويتجاوز القانون ويخضع المجتمع لارادته الخاصة . وقد عرف الاغريق الطغيان بأنه وصول الشخص إلى الحكم بوسائل غير دستورية ، بينما رأى كل من أفلاطون وارسطو
ان الطاغية هو من يحكم وفق أهوائه الشخصية لا وفق القانون ، ممارساً القمع للحفاظ على السلطة .
وعبر التاريخ لم يقتصر الطغيان على الحكام الأفراد ، بل ظهر بأشكال مختلفة ، فقد تمثل احياناً في إمبراطوريات توسعية ، واحياناً في طبقات اجتماعية احتكرت الثروة والنفوذ ، واحياناً اخرى في أنظمة سياسية واقتصادية فرضت هيمنتها على الشعوب ، ولهذا لم يكن مصادفة ان نجد الأنبياء والمصلحين في مواجهة مستمرة مع الطغاة . فقد واجه النبي موسى فرعون ، وواجه الأنبياء والمصلحون في مختلف الازمنة قوى الاستغلال والظلم التي سعت إلى إخضاع الانسان وسلب حقوقه .
اما الطغيان في العصر الحديث ، إذا كان الطغيان في الماضي يرتبط غالباً بشخص الحاكم او الأسرة الحاكمة ، فان الطغيان في العصر الحديث اصبح اكثر تعقيداً وتشابكاً
فاليوم قد يمثل الطغيان في حكومة فرد او في حكم أقلية اوليغارشية. او حتى في منظومة عالمية تمتلك من ادوات القوة ما يفوق قدرة كثير من الدول .
ان العالم المعاصر يشهد صعود أنظمة ومؤسسات عابرة للحدود ، تمتلك رؤوس اموال هائلة، وتتحكم في الأسواق العالمية ، وتؤثر في القرارات السياسية والاقتصادية للدول . ولم يعد النفوذ يعتمد على القوة العسكرية وحدها ، بل اصبح قائماً ايضاً في السيطرة على التكنلوجيا والاتصالات والاعلام والمال والمعرفة .لذا اصبح الطغيان الاقتصادي الوجه الجديد للهيمنة ،
يرى الكثير من النقاد أن النظام الرأسمالي المعاصر يمثل شكلاً جديداً من أشكال الطغيان ، ليس لانه يقوم على السوق والتنافس فحسب ، بل لان تطوره نحو الاحتكار وتمركز الثروة ادى إلى اتساع الفجوة بين الاغنياء والفقراء على المستوى العالمي .
ففي ظل العولمة الاقتصادية تزايد نفوذ الشركات العملاقة والمؤسسات المالية الكبرى التي اصبحت تمتلك من الموارد ما يفوق ميزانيات العديد من الدول ، وادى هذا الواقع إلى تركز الثروة في ايدي أقلية محدودة ، مقابل اتساع دائرة الفقر والتهميش في مناطق واسعة من العالم .
ويؤيد منتقدو هذا النظام ان تحويل كل شيء إلى سلعة ، بما في ذلك التعليم والصحة والثقافة والفن ، ادى إلى تراجع القيم الإنسانية امام منطق الربح والخسارة ، واصبح الانسان يقاس في كثير من الاحيان بقدرته الشرائية او بقيمته الانتاجية بدلاً من النظر اليه باعتباره غاية التنمية وهدفها الأساسي .
كما ان السعي المحموم وراء تعظيم الارباح يدفع بعض الشركات الكبرى إلى استغلال الموارد الطبيعية بصورة مفرطة ، والى نقل الصناعات الملوثة إلى الدول الفقيرة ، والاستفادة من العمالة الرخيصة ، الامر الذي يفاقم التفاوت الاقتصادي بين الشعوب ويؤدي إلى أزمات بيئية واجتماعية متزايدة .
كما ان استخدام القوة العسكرية وتبرير الهيمنة , بالرغم من الجانب الاقتصادي يمثل احد اهم مظاهر الطغيان المعاصر ، إلا انه لا يمكن فصله عن القوة السياسية والعسكرية ، فالتاريخ الحديث يبين ان القوى الكبرى كثيراً ما لجأت إلى استخدام القوة العسكرية او التهديد بها تحت شعارات متعددة مثل نشر الديمقراطية او حماية الامن الدولي او مكافحة الارهاب .
ويشير منتقدو السياسات الدولية إلى ان التدخلات العسكرية التي شهدتها مناطق مختلفة من العالم ومنها العراق وافغانستان ومنطقة الشرق الأوسط عموماً وغيرها ، تركت آثاراً إنسانية واقتصادية واجتماعية عميقة مازالت شعوب تلك البلدان تعاني منها حتى هذا اليوم . كما ان هذه التدخلات اثارت جدلاً واسعاً حول العلاقة بين المصالح الاستراتيجية والاقتصادية للقوى الكبرى وبين الشعارات المعلنة التي تستخدم لتبرير تلك السياسات
ومن هنا يرى كثير من الباحثين ان الطغيان في العصر الحديث لا يمارس دائما ًبصورة مباشرة ، بل قد يمارس عبر منظومات اقتصادية وسياسية وعسكرية متكاملة ، تجعل الدول الضعيفة اكثر تبعية وعجزاً من اتخاذ قراراتها بحرية واستقلال.
كما ان اخطر ما يترتب على هذا النوع من الطغيان ، لا يقتصر على الفقر او التفاوت الاقتصادي ، بل يمتد إلى البنية الاجتماعية والثقافية للمجتمعات . فحين تتراجع العدالة الاجتماعية وتضعف فرص التعليم والعمل الكريم ، تنتشر مشاعر الإحباط والاغتراب وفقدان الثقة بالمستقبل .
كما يؤدي هيمنة الاستهلاك وثقافة الربح السريع إلى تآكل العديد من القيم الاخلاقية والإنسانية ، ويصبح النجاح مرتبطاً بالثروة اكثر من ارتباطه بالإبداع او خدمة المجتمع .
وبهذا تتحول العلاقات الإنسانية تدريجياً إلى علاقات منفعة مادية مجردة ، ويضعف الشعور بالتضامن والمسؤلية الاجتماعية .
واخيراً ان طغاة العصر لم يعودو ا بالضرورة أفراداً يجلسون على عروش الممالك كما كان الحال في الماضي ، بل قد يكونوا أنظمة اقتصادية ومؤسسات مالية وشبكات نفوذ عالمية تمتلك القدرة على التأثير في حياة ملايين البشر . ولذلك فإن مواجهة الطغيان المعاصر لا تكون فقط بمقاومة الاستبداد السياسي ، بل أيضاً بالسعي إلى تحقيق العدالة الاجتماعية وحماية حقوق الإنسان وتعزيز استقلال الشعوب ، وإقامة نظام دولي اكثر توازناً وانصافاً .
فالصراع بين الهيمنة والحرية وبين الاستغلال والعدالة ، سيبقى احد اهم التحديات التي تواجه الانسانية في سعيها نحو عالم اكثر كرامة ومساواة ، وما دام هناك احتكار للثروة والسلطة والنفوذ ، فإن مقاومة الطغيان ستظل مهمة تاريخية مستمرة تخوضها الشعوب دفاعاً عن حقها في العيش الكريم والسيادة على مواردها ومستقبلها .
























