بقلم: ذكرى البياتي
إلى ذلك القريب البعيد… إلى من تقف بيني وبينه حدودٌ وأوطان، بينما لا تزال المسافة بين القلبين أقصر من كل الخرائط. كان الوقت بيننا بغداديَّ النكهة، تفوح منه رائحة الأزقة القديمة، وصوت دجلة وهو يعانق الفرات. ليتنا بقينا كما كانا… قريبين، لا تفرّقنا الجهات ولا تسرقنا المسافات.
أكتب كلماتي، ولعلّها تعبر إليك خلسةً بين طيات الصفحات، مدوّنةً باسمي، وممهورةً بمشاعري، علّك تلمح فيها نبضًا كان يومًا يسكن قلبك.
ما يثير دهشتي حقًا ليس الفراق، بل كيف تتحول المشاعر الصادقة، بكل دفئها وضجيجها، إلى ذكريات عابرة يمرّ بها الزمن دون أن يستأذن. كيف يصبح الصمت سيد الموقف بعد أن كانت الكلمات تتسابق بيننا، وكيف تتبدد الأسرار التي كانت تسكن أعماقنا، فنعود غريبين بعد أن كنا أقرب من يعرف بعضه بعضًا.
في هذه الحياة، لا بد أن يلتقي كل واحد منا بشخصٍ لا تستطيع الذاكرة أن تنساه، والأعجب من ذلك أنه قد لا يكون من نصيبنا أبدًا. نراه وكأنه الصورة التي رسمها القلب طويلًا، والحلم الذي ظل العقل يبحث عنه بين الوجوه، فإذا به يقف أمامنا… ثم تأخذه الأقدار إلى طريقٍ آخر.
وحينها نمضي نحن أيضًا إلى حياة لم نختر تفاصيلها، وإلى أماكن لم يرسمها القلب، ولا خطط لها العقل. نعيش أيامنا، بينما يبقى ذلك الشخص حاضرًا في زوايا الروح؛ مرةً حبيبًا، ومرةً صديقًا، ومرةً غريبًا لا نملك إلا أن نمرّ بقرب اسمه بصمت.
وتمضي الأيام بلا رجعة، ونفتش عن سبيلٍ يقودنا إلى حديثٍ قصير معه، فلا نجد سوى الأمنيات. نخشى التعلّق به، بينما الحقيقة أننا تعلّقنا به ألف مرة، في كل ذكرى، وفي كل دعاء، وفي كل لحظة حنين.
أحيانًا يخيل إلينا أنه لنا، وأن المسافات ستتعب يومًا من الوقوف بيننا، لكننا نعود فنضم أرواحنا إلى صدورنا، ونهمس بتنهيدةٍ لا يسمعها أحد:
“ليس كل من أحببناه كُتب لنا، فبعض الأرواح تأتي لتترك في القلب أثرًا لا يزول، ثم تمضي… لتعلّمنا أن أجمل الحكايات ليست دائمًا تلك التي تكتمل، بل تلك التي تبقى حيّة في الذاكرة ما بقي القلب ينبض.”


























