بقلم: الدكتور اسماعيل الجنابي
يبدو ان حالة “اللاحرب واللاسلم” التي تعيشها الولايات المتحدة الامريكية وايران والعالم باسرة نوعاً خاصاً من الأهمية تتجاوز حدود المنتصر والخاسر والمتضرر ، جعلت من شركات السلاح العالمية طرفاً مهماً في هذة المعادلة بما فيها الدول المنافسة مثل الصين وروسيا والشيء نفسه بالنسبة إلى صناع القرار الإيرانيين بغية الحفاظ على تماسك النظام الداخلي ، تتيح هذه الحالة لطهران تجنب المواجهة المباشرة المدمرة، وللولايات المتحدة استمرار فرض الهيمنة الإقليمية دون تكبد خسائر بشرية واقتصادية فادحة ، على اعتبار ان قطاع التصنيع العسكري يحقق أرباحاً هائلة مستفيداً من حالة التوتر المستمر لضمان استمرار عقود بيع الأسلحة وأنظمة الدفاع المتطورة وعلى وجه التحديد روسيا التي تستفيد من بقاء أسعار النفط العالمية عند مستويات مرتفعة بسبب التهديد المستمر لخطوط الملاحة والصين التي تتقدم في التوسع الصناعي والاقتصادي في المنطقة، وتستفيد من حالة الانشغال الأمريكي عن مواجهتها وكذلك النظام الإيراني الذي يستثمر حالة “العدو الخارجي” لتبرير الأزمات الاقتصادية الداخلية، وتمرير سياسات القبضة الأمنية وتوحيد الجبهة الداخلية ضد أي معارضة ، الا انه في الوقت نفسه نرى ان الحصار البحري والتشديد العسكري الأمريكي يفرضان فاتورة اقتصادية وضغوطاً لوجستية باهظة على هذا الثلاثي (إيران، الصين، وروسيا)، ما يحول الطاقة من ميزة نسبية إلى عبء حقيقي.
تداعيات حالة “اللاحرب واللاسلم“
سنجزأ تداعيات هذه الحالة على المستوى الزمني لجميع الدول والتحديات التي ستواجه جميع الاطراف على المدى الطويل الأمر الذي سيؤدي في نهاية المطاف الى استنزاف اقتصادي وعسكري طويل سيتحمل كل طرف تكاليف باهظة ومستمرة بدلاً من حسم الصراع رغم المكاسب التكتيكية التي سينتج عنها خسائر استراتيجية باهضة لمنع الأنفجار الشامل وفق الاتي:
الولايات المتحدة الأمريكية
- التداعيات السلبية: استمرار النفوف العسكري المكلف في الشرق الأوسط، وتشتيت الجهود الاستراتيجية بعيداً عن التركيز الكامل على مواجهة التمدد الصيني في المحيط الهادئ والروسي في أوروبا.
- التداعيات الإيجابية: الحفاظ على الهيمنة الإقليمية، وضمان استمرار تدفق عقود مبيعات السلاح لحلفائها، وإضعاف الخصوم عبر العقوبات دون التورط في حرب برية مكلفة جديدة.
النظام الإيراني
- التداعيات السلبية: انهياراقتصادي مستمر، وتراجع حاد في قيمة العملة المحلية، وعزلة دولية خانقة، بالإضافة إلى تصاعد التذمر والاحتقان الشعبي الداخلي نتيجة تدني مستوى المعيشة.
- التداعيات الإيجابية: استغلال شماعة “العدو الخارجي” لتبرير القمع الداخلي، وتوحيد الجبهة الداخلية، ومواصلة تطوير البرنامج النووي وشبكة الفصائل الإقليمية تحت سقف لا يصل إلى المواجهة الشاملة.
دول الخليج العربي والمنطقة
- التداعيات السلبية: العيش تحت تهديد أمني مستمر يمس ممرات الطاقة والملاحة البحرية، وتحمل تكاليف دفاعية باهظة لحماية البنية التحتية والمشاريع الاقتصادية العملاقة.
- التداعيات الإيجابية: تسريع خطط تنويع الاقتصاد بعيداً عن النفط، وبناء شراكات أمنية وتكنولوجية متعددة الأقطاب، وتعزيز الاكتفاء الذاتي الدفاعي.
القوى الدولية (الصين وروسيا)
- التداعيات السلبية: تواجه الصين تهديداً دائماً لأمن الطاقة (إمدادات النفط عبر مضيق هرمز) وارتفاع تكاليف الشحن، بينما تتقاسم روسيا وإيران ضغوط ملاحقة شبكات تهريب النفط وأساطيل الظل.
- التداعيات الإيجابية: تستفيد روسيا من بقاء أسعار النفط مرتفعة بسبب التوترات، وتستغل الصين انشغال واشنطن في الشرق الأوسط لتوسيع نفوذها الاقتصادي عبر مبادرة الحزام والطريق.
أطراف المحاور الإقليمية (الفصائل الحليفة لإيران)
- التداعيات السلبية: البقاء في حالة استنفار دائم، والتعرض لضربات واغتيالات دورية وموجهة من قِبل الولايات المتحدة وإسرائيل دون القدرة على الرد الشامل لتجنب الحرب المفتوحة.
- التداعيات الإيجابية: الحفاظ على شرعية وجودها وسلاحها تحت شعار “المقاومة والردع”، واستمرار تلقي الدعم المالي والعسكري من طهران.
السيناريوهات المتوقعة لكسر الحالة الراهنة
1. سيناريو الانفجار الشامل (الحرب المفتوحة)
يكمن بحدوث خطأ في الحسابات، مثل ضربة إيرانية (أو من فصائلها) تصيب هدفاً أمريكياً حيوياً وتوقع خسائر بشرية كبيرة، أو قيام إسرائيل بضربة استباقية منفرة للمنشآت النووية الإيرانية ، الأمر الذي ينتج عنه مواجهة عسكرية واسعة تشمل قصفاً صاروخياً مكثفاً، وإغلاقاً تاماً لمضيق هرمز، واستهدافاً للمنشآت النفطية في المنطقة.
2. سيناريو “الصفقة الكبرى” (التسوية الدبلوماسية)
وصول الطرفين إلى حافة الإنهاك الكامل؛ حيث تشتد الأزمة الاقتصادية داخل إيران لخطر يهدد النظام، مقابل رغبة أمريكية حاسمة في التفرغ لملف الصين ، قد يفضي الى توقيع اتفاق نووي وإقليمي جديد وموسع، يضمن رفع العقوبات تدريجياً عن طهران مقابل تقييد نفوذها الصاروخي والإقليمي.
3. سيناريو التآكل والانهيار الداخلي
استمرار الوضع الحالي لسنوات طويلة مع تشديد العقوبات، ما يؤدي إلى انفجار الشارع الإيراني نتيجة الغلاء والفقر و حدوث تغيير سياسي جوهري من الداخل الإيراني، يعيد صياغة هوية الدولة وعلاقاتها مع الغرب.
الخلاصة التحليل
لم تعد الحروب الحديثة تُقاس دائماً بدوي الانفجارات أو زحف الدبابات، فثمة معارك صامتة تجري في العلن ، حيث لا رصاص يُطلق ولا سلام يُبرم ، يجعل المنطقة تعيش اليوم تفاصيل هذه اللعبة المعقدة تحت مسمى حالة ‘اللاحرب واللاسلم’ بين الولايات المتحدة وإيران كونها ليست مجرد تهدئة مؤقتة، بل هي استراتيجية استنزاف ممنهجة تحولت فيها الممرات المائية وأسواق الطاقة إلى ساحات لتكسير العظام ، بينما تجني قوى دولية وشركات سلاح مكاسب خفية من هذا التوتر المستدام، تدفع شعوب المنطقة واقتصاداتها ضريبة باهظة ومستمرة على صفيح ساخن يرفض الهدوء ويتحاشى الانفجار الشامل.

























