بقلم: الدكتور اسماعيل الجنابي
مع تصاعد الضربات الجوية على البنية التحتية الإيرانية، يتبدد وهم إمكانية الحسم البري، حيث تحول الجغرافيا الوعرة واستراتيجيات حرب العصابات أي توغل إلى مستنقع استنزاف ، كون الحشد العسكري الغربي الحالي غير كافٍ لإسقاط النظام، وتظل فكرة “الأحذية على الأرض” سراباً يهدد بإشعال صراع إقليمي شامل وتعد خطوة ضرب الجسور في إيران لمحافظة هرمزغان ومحاور بندر عباس ، إستراتيجية عسكرية أمريكية تهدف في المقام الأول إلى شلّ القدرات اللوجيستية وقطع شرايين الإمداد عن الحرس الثوري الإيراني والمواقع العسكرية ، وتوسيع بنك الأهداف ليشمل البنية التحتية المدنية والسكك الحديدية ، لعزل القواعد و فصل شبكة النقل الواصلة إلى القواعد البحرية في الخليج ومضيق هرمز ، حيث تسعى واشنطن لانتزاع السيطرة على حركة الملاحة في مضيق هرمز من خلال شلّ حركة القوات الإيرانية ووضع المنطقة تحت الاستنزاف المفتوح وهذا ما جعل الأوساط العسكرية الإيرانية تتعامل مع هذه التطورات كخطوة تمهيدية خطيرة محتملة لعمليات إنزال أو سيطرة برية على الجزر الإستراتيجية، ما دفع طهران لرفع مستوى التأهب.
شركاء أمريكا في الحرب البرية
تشير التوقعات ان إسرائيل لن تشارك بأي عملية برية على الأرض وانما سيقتصر دورها بالمشكاركة القوية في العمليات الجوية والصاروخية ضد إيران، في حين يبتعد حلف شمال الأطلسي (الناتو) عن التدخل العسكري المباشر ويكتفي بالدعم السياسي في حال اتجهت الأمور نحو المواجهة البرية، فإن التوقعات والتسريبات تؤكد أن واشنطن ستخوض الحرب البرية بمفردها ، بينما تتوزع أدوار الأطراف المختلفة في هذا الصراع على النحو التالي:
- إسرائيل (شريك في الجو، ممتنع على الأرض)
من المعلوم ان العمليات الحربية المشتركة بدأت كتحالف عسكري مباشر بين واشنطن وتل أبيب تحت مسمى “الغضب الملحمي” أمريكياً و”زئير الأسد” إسرائيلياً، حيث نفذ الطرفان ضربات جوية وصاروخية مشتركة واسعة النطاق استهدفت الدفاعات الجوية والقيادات الإيرانية وهذا يعني ان الدور الاسرائيلي سيقتصرعلى تقديم الدعم الاستخباراتي واللوجيستي والعمليات الجوية لحماية جبهتها الداخلية في حال شنت أمريكا الحرب البرية ضد ايران.
- حلف الناتو (دعم سياسي دون تدخل عسكري)
أعلن الحلف الأطلسي على لسان أمينه العام “مارك روته” في مؤتمر حلف الناتو في تركيا ، أن الضربات الأمريكية ضد إيران ضرورية لتأمين حرية الملاحة في مضيق هرمز ومنع طهران من امتلاك سلاح نووي ، في ترفض دول حلف الناتو كمنظومة، بشكل منفرد، الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة أو إرسال قوات برية وذلك لخشيتها من مخاوف الانزلاق للدخول الى حرب استنزاف شبيهة بحرب العراق، ولهذا تفضل الإبقاء على مسار الضغط الدبلوماسي والاقتصادي.
- الولايات المتحدة (تتحمل عبء المواجهة البرية)
في حال اتخذت إدارة الرئيس دونالد ترامب قراراً نهائياً بالتحرك برياً لتأمين الشواطئ الجنوبية لإيران أو مضيق هرمز، ستكون القوات الأمريكية (التي تخطى عددها 50 ألف جندي في المنطقة) هي الوحيدة التي ستنفذ الهجوم على الأرض وتحاول واشنطن الاستعاضة عن الحلفاء الدوليين بالبحث عن “وكلاء محليين” على الأرض، مثل جماعات المعارضة الكردية المسلحة على الحدود الإيرانية – العراقية لتخفيف العبء عن الجنود الأمريكيين ومن المؤكد ان هذا العدد لايكفي بتاتاً لشن حرب برية شاملة ضد إيران وفقاً للتقديرات والمعايير العسكرية ، وانما هذا الحشد الحالي يخدم فقط عمليات تكتيكية محدودة وخاطفة ، مثل السيطرة على جزر إستراتيجية أو موانئ ساحلية ، ويتضح العجز العددي واللوجيستي لهذه القوة عند مقارنتها بطبيعة المعركة من خلال الفجوة الشاسعة في حجم القوات المطلوبة قياساً بمساحة ايران الشاسعة ذات التضاريس الجبلية الوعرة وتعداد سكانها نحو 90 مليون نسمة يتطلب ما بين 400 ألف إلى 700 ألف جندي لإسقاط النظام، وما لا يقل عن مليون إلى مليوني جندي لفرض سيطرة برية كاملة وإدارة الأمن الداخلي وليس 50 الف جندي موزعين على القواعد والسفن في عدة دول المنطقة ولدينا مقارنة تاريخية في حرب العراق عام 2003 وهو بلد أصغر بكثير من إيران ، قد حشدت واشنطن نحو 150 ألف جندي لإسقاط النظام وعانت لاحقاً من نقص القوات وفي حرب الخليج 1991 حشدت أكثر من 500 ألف جندي لمجرد تحرير الكويت دون دخول العراق ، مع الاخذ بنظر الاعتبار ان الفصائل الكردية تتواجد في المناطق الجبلية شمال غرب إيران وعلى الحدود العراقية وهذا العمق الجغرافي بعيد تماماً عن مسرح العمليات الإستراتيجي الحالي في الجنوب (بندر عباس ومضيق هرمز والمنشآت النفطية).
النتائج والتوقعات
نعتقد ان مخاطر الحرب البرية سوف تؤدي إلى كارثة عسكرية واقتصادية إقليمية وعالمية لا يمكن احتواؤها ، نظراً للمجابهة الحالية ومحدودية القوات الأمريكية البالغة 50 ألف جندي ، فإن النتائج المتوقعة لأي انزلاق نحو الغزو البري ستقود الى حرب استنزاف دموية وطويلة على شاكلة حرب فيتنام في ظل توفر المستنقع الجغرافي وبنية الدفاع من تضاريس إيران الجبلية الوعرة مثل جبال زاغروس ، ستمنح القوات النظامية والحرس الثوري ميزة دفاعية هائلة لشن حرب عصابات مميتة ضد القوات الأمريكية ما تجعلها عاجزة عن مسك الأرض اثناء غزو المدن الكبرى ويكبدها خسائر بشرية هائلة سواء من جانب المدنيين وقواتها ، يضاف الى ذلك دفع المعارضة الكردية إلى العمق البري سيشعل اقتتالاً داخلياً عرقياً في الشمال، ما يدفع الجيش الإيراني لشن عمليات سحق برية مضادة وإغلاق الحدود مع العراق ، ناهيك عن قيام ايران بقصف القواعد الأمريكية، فور بدء الهجوم البري، ستطلق إيران آلاف الصواريخ الباليستية والمسيرات الانتحارية لضرب كافة القواعد الأمريكية في الشرق الأوسط (في البحرين، والأردن، والكويت، والإمارات) سينتج عن ذلك انهيار اقتصادي عالمي وأزمة طاقة ، الأمر الذي سيجعل التورط الأمريكي البري هدية مجانية لكل من موسكو وبكين.
























