بقلم: أ. د. محمد طاقة
تسعى الدول عادةً إلى تعظيم مصالحها الوطنية وحماية سيادتها ومواردها وقرارها السياسي ، وفي الحالة العراقية ، ومع ما يواجهه
البلد من تحديات تتمثل بتعدد مراكز التأثير الخارجي وضعف القدرة على فرض الأولويات الوطنية في بعض الملفات ، تثار تساؤلات بشأن
مدى قدرة العراق على التفاوض من موقع يضمن مصالحه عند إبرام الاتفاقيات الدولية .
ليست جميع العقود الاستثمارية وسيلة للتنمية ، فبعضها قد يتحول إذا ابرم في ظل اختلال موازين القوة وضعف الإرادة الوطنية إلى اداة لفرض النفوذ ورهن القرار الاقتصادي . ومن هذا المنطق تثار تساؤلات جوهرية حول الاتفاقيات الأخيرة التي ابرمها العراق ، ومدى انسجامها مع مصالحه الوطنية وسيادته الاقتصادية.
ومن هذا المنظور نرى ان الاتفاقيات التي جرى توقيعها في الولايات المتحدة الأمريكية بوصفها اتفاقيات غير متوازنة ، اذ تعكس إختلالاً في موازين القوة التفاوضية ، إلى جانب محدودية الخبرة المؤسسية وتغليب الاعتبارات السياسية الداخلية على متطلبات حماية المصلحة العامة للدولة .
ومن حيث المبدأ ، يفترض ان تؤسس العقود الاستثمارية لإطار قانوني ومالي يحدد حقوق الأطراف والتزاماتها ، ويحقق قدراً من المنفعة المتبادلة بين الدولة المضيفة والمستثمر الأجنبي . غير ان العقود الاستثمارية الموقعة مع الولايات المتحدة الأمريكية، لا سيما في قطاعي النفط والغاز ، تقرأ على انها تتيح للشركات الامريكية الكبرى توسيع حضورها في الموارد النفطية والغازية العراقية ، فضلاً عن التوسع في قطاعات استثمارية اخرى .
ووفق هذا التصور قد يؤدي ذلك إلى زيادة النفوذ الأمريكي في الاقتصاد العراقي وتعزيز ارتباطه بالمصالح الأمريكية ، من دون ان يقابل ذلك مستوى كافٍ من الضمانات للمصلحة الوطنية العراقية.
كما يمكننا الربط بين هذه الترتيبات وبين استمرار الدعم السياسي للحكومة ورئيس الوزراء الساعي إلى تجديد ولايته .
ولاشك ان جذب الاستثمارات الاجنبية يمثل عنصراً مهماً في اي استراتيجية تنموية ، إلا ان نجاح هذا النوع من الاستثمارات يرتبط بتوافر مجموعة من الشروط الأساسية من أبرزها :
اولاً : تحقيق الاستقرار الأمني والسياسي ، ليس داخل العراق فقط ، بل البيئة الاقليمية المحيطة ايضا. فاستمرار التوترات الداخلية ووجود مليشيات مسلحة وتداخل التأثيرات الاقليمية كلها عوامل تؤثر في مستوى الثقة الاستثمارية ، لان المستثمرين يميلون إلى البيئات التي توفر قدراً عالياً من الامن والاستقرار .
ثانياً : يفترض وجود اطار قانوني واضح ومتكامل للاستثمار الأجنبي ، يحدد من خلاله الحقوق والالتزامات بصورة دقيقة ، ويضمن حماية المصالح الوطنية العراقية ، ويقتضي ذلك مراجعة التشريعات النافذة ، ولا سيما قانون الاستثمار ، بما يحقق توازناً بين تشجيع تدفق رؤوس الاموال الاجنبية وصون السيادة الاقتصادية للدولة .
ثالثاً : لا بد من توفر إرادة وطنية مستقلة تمتلك القدرة على اتخاذ القرار السياسي والاقتصادي وفق رؤية تنموية واضحة ، وتضع المصلحة العراقية في مقدمة الأولويات . فإبرام اتفاقيات استراتيجية في ظل غياب قرار وطني مستقل قد يثير مخاوف من ان تؤدي هذه الاتفاقيات إلى تقييد قدرة الدولة على التحكم في بعض القطاعات الاقتصادية الحيوية.
ومن ثم فان الاستفادة الفعلية من الاستثمارات الأجنبية تظل مرتبطة بوجود دولة ذات سيادة كاملة ، ومؤسسات قادرة ورؤية اقتصادية وطنية واضحة ، إلى جانب شروط تعاقدية تضمن بقاء القرار بشأن القطاعات الاستراتيجية بيد الدولة العراقية ، مع توفير بيئة قانونية واستثمارية تحقق مصالح المستثمرين وتحافظ في الوقت نفسه على حقوق العراق وموارده .
وفي هذا السياق نرى بهذه الاتفاقيات او العقود ، إلاهتمام الأمريكي ينصب بدرجة اساسية على قطاع النفط والغاز في العراق ، بالنظر إلى أهميتهما في معادلات الطاقة والصراع الاقتصادي الدولي . ووفق هذا التقدير فان تعزيز الحضور في هذين القطاعين قد ينسجم مع سعي الولايات المتحدة الامريكية إلى توسيع نفوذها في أسواق الطاقة ، بما يدعم موقعها في المنافسة الدولية ويمنحها ادوات إضافية للتأثير في الاقتصاد العالمي .
ومما تقدم ، فان العراق لايحتاج إلى رفض الاستثمار الأجنبي، بل إلى استثمار يحترم سيادته ويحفظ ثرواته ويحقق مصالحه الوطنية، فالعقود التي أبرمت في ظل غياب الإرادة الوطنية واختلال موازين القوة ، وعدم توافر الضمانات القانونية والمؤسسية ، قد تتحول من اداة للتنمية الى وسيلة ترهن الاقتصاد الوطني وتقويض استقلال القرار الاقتصادي ، ومن هنا فان حماية ثروات العراق لاتبدأ بتوقيع اتفاقيات او عقود ، بل ببناء دولة قوية تمتلك قرارها السيادي وتفاوض من موقع الندية وتضع المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار .


























