بقلم: الدكتور اسماعيل الجنابي
تكمن الأهمية الاستراتيجية والجغرافية لمضيق باب المندب في كونه أحد أهم الممرات المائية وأكثرها حيوية في العالم؛ حيث يربط بين البحر الأحمر وخليج عدن، وبالتالي يربط بين المحيط الهندي وبحر العرب من جهة، والبحر الأبيض المتوسط عبر قناة السويس من جهة أخرى وتكمن أهميته لايران كواحدة من ابرز ملفات التفاوض بعد مضيق هرمز للابعاد التالية:
1. الموقع الجغرافي والتحكم المحوري
يعتبر مضيق باب المندب نقطة التقاء قارات آسيا وإفريقيا، ما جعله نقطة ربط أساسية للتجارة العالمية وكذلك من حيث تقسيمه التضاريسي ، حيث يبلغ عرض المضيق نحو 30 كيلومتراً، وتتوسطه جزيرة “بريم” (ميون) اليمنية التي تقسمه إلى ممرين احدهما ممر إسكندر (الشرقي) وهو الأضيق والأكثر استخداماً للسفن لوقوعه قبالة السواحل اليمنية وممر دقة (الغربي) وهو الأوسع، ويقع قبالة السواحل الجيبوتية والإريترية.
2. الأهمية الاقتصادية والتجارية
يعتبر المضيق ممراً لشريان الطاقة عبر المضيق ، حيث تمر من خلاله ملايين البراميل من النفط والغاز الطبيعي المسال يومياً، والتي تُنقل من دول الخليج العربي إلى الأسواق في أوروبا وأمريكا الشمالية، اضافة الى كونه طريق التجارة العالمية الذي يشكل جزءاً لا يتجزأ من الممر الملاحي الذي يربط آسيا بأوروبا، والذي تعبره آلاف السفن التجارية سنوياً.
3. الأهمية الجيوسياسية والعسكرية
يعتبر باب المندب مركزاً استراتيجياً للتحكم في الملاحة ، حيث تتيح السيطرة على ضفاف المضيق (من قبل اليمن وجيبوتي وإريتريا) القدرة على مراقبة وتوجيه حركة الملاحة الدولية، اضافة الى كونهيشكل بؤرة للتنافس الدولي نظراً لحساسيته، تسعى القوى الدولية الكبرى لإنشاء قواعد عسكرية في الدول المطلة عليه (مثل جيبوتي) لضمان أمن مصالحها وحماية خطوط الملاحة ، على اعتبار ان المضيق يرتبط بشكل وثيق بأمن البحر الأحمر وقناة السويس، ما جعله عنصراً حاسماً في الاستقرار الأمني والسياسي لمنطقة الشرق الأوسط والقرن الأفريقي.
الاثار الاقتصادية من اغلاق المضيق
تكتسب التطورات الراهنة في منطقة مضيق باب المندب أبعاداً بالغة الحساسية، لا سيما مع اشتعال مواجهات واسعة النطاق في الشرق الأوسط وإغلاق مضيق هرمز. يترتب على سيناريو إغلاق باب المندب تداعيات اقتصادية وعسكرية دولية فورية ، ويتسبب التهديد بإغلاق باب المندب، بالتزامن مع توقف الملاحة في مضيق هرمز، في شلل تام لأبرز الممرات البحرية للطاقة والتجارة يؤدي الى انفجار أسعار النفط العالمية بمجرد الإعلان عن اغلاق المضيق الذي يمر من خلاله ما يقارب 10% إلى 12% من إجمالي تجارة النفط المنقولة بحراً عالمياً ، خصوصاً وان المملكة العربية السعودية باتت تعتمد كلياً على نقل نفطها عبر خط أنابيب (شرق-غرب) إلى البحر الأحمر للتصدير ، وان إغلاقه يعني محاصرة الإمدادات البديلة وخنق أسواق الطاقة في أوروبا وآسيا في ظل غلق مضيق هرمز ، اذا ما اخذنا بنظر الاعتبار ان النتائج المترتبة على الاغلاق يعني تجميد سلاسل الامدادات وارتفاع التضخم ، حيث تضطر السفن التجارية المتجهة من آسيا إلى أوروبا لتبني مسارات بديلة طويلة ومكلفة حول أفريقيا (رأس الرجاء الصالح) ما يضيف ملايين الدولارات كأجور شحن وتأمين لكل رحلة، الأمر الذي يتسبب في تأخير التوريد لأسابيع وتأجيج موجة تضخم عالمية خانقة وأزمات معيشية في القرن الإفريقي التي تعاني من تعطل فوري لواردات الغذاء والوقود الحيوية، إلى جانب تضرر صادراتها الزراعية (مثل الشاي والبن)، ما يؤدي إلى ضغوط مالية حادة وانخفاض حاد في قيمة العملات المحلية.
الاثار العسكرية الدولية
تعد المنطقة المحيطة بمضيق باب المندب، وخصوصاً دولة جيبوتي، البؤرة الأعلى كثافة عسكرية في العالم نظراً لسباق القوى العظمى لتأمين ملاحتها وصيانة مصالحها الجيوسياسية وتحديداً القاعدة العسكرية الأمريكية “ليمونيه” التي تعد القاعدة الأكبر في أفريقيا، وتضم آلاف الجنود من قوات المارينز والعمليات الخاصة، وتُستغل كمركز قيادة أساسي لإدارة العمليات العسكرية ومكافحة الإرهاب وتأمين البحر الأحمر والقرن الإفريقي والخليج وتليها القاعدة العسكرية الصينية، التي تعتبر أول قاعدة دعم عسكري لبكين خارج حدودها، وتقع على مقربة من المضيق في جيبوتي، وتستخدمها الصين لحماية خطوط شحنها التجاري الضخم (مبادرة الحزام والطريق) وإبراز نفوذها البحري في المحيط الهندي ومن ثم القاعدة العسكرية الفرنسية في جيبوتي، التي توفر دعماً لوجستياً وعسكرياً فرنسياً وأوروبياً لمراقبة المسارات البحرية الحيوية وتتوزع القواعد والوجود العسكري الإقليمي والدولي الآخر مثل اليابان وإيطاليا كمنشآت دعم عسكري في جيبوتي لحماية سفنها التجارية من خطوط الصراع الحالية، بينما تحتفظ قوى أخرى مثل إسرائيل بوجود استخباري وعسكري غير معلن في بعض الجزر الإريترية لرصد أي تهديدات تطال بوابتها الجنوبية نحو المحيط الهندي.
التحكم الأيراني المطلق بالمضيق
تستطيع إيران ممارسة نفوذها والتحكم العملي في مضيق باب المندب دون الحاجة لوجود عسكري مباشر أو الاصطدام المباشر بالقواعد الغربية المطلة عليه ويعود ذلك إلى اعتماد طهران على إستراتيجية الحرب بالوكالة وحرب العصابات البحرية غير المتناظرة، والتي ترتكز على عدة ركائز أساسية ابرزها الاذرع المحلية لجماعة الحوثي الذين يسيطرون على المرتفعات الجبلية والشريط الساحلي اليمني الممتد شمال المضيق ما يمنحهم تفوقاً جغرافياً طبيعياً يطل مباشرة على ممرات عبور السفن والتحكم اللوجستي المباشر من قبل قادة وخبراء الحرس الثوري الإيراني ميدانياً في اليمن ، الذين يشاركون مباشرة في توجيه وإدارة غرف العمليات، ولديهم سلطة القرار الفعلي في تحديد توقيت استهداف السفن أو إغلاق المضيق ، اضافة الى كونه يمثل الترسانة الاستراتيجية لسلاح المسيرات والصواريخ البرية والباليستية، صواريخ كروز المضادة للسفن، والطائرات المسيرة الانتحارية في الجبال المطلة على البحر الأحمر ، كون هذه الأسلحة تُطلق من منصات متحركة يصعب على الطيران الغربي رصدها أو تدميرها بالكامل وكذلك استخدام القوارب السريعة المسيرة عن بعد والمفخخة، وزرع الألغام البحرية بدائية الصنع ، حيث ان هذه الوسائل لا تحتاج إلى أساطيل ضخمة، بل يمكن لـ “أي شخص يحمل بندقية أو سلاحاً خفيفاً أن يعطل حركة الملاحة” من خلال رفع مخاطر التأمين البحري ، اضافة الى استخدام المضيق في تحييد فاعلية القواعد الغربية وكذلك استخدامه كسلاح ضد شركات التأمين ، على اعتبار ان ايران لا تحتاج لتدمير السفن بالكامل للتحكم بالمضيق وانما يكفي إطلاق بضعة صواريخ أو مسيرات لترتفع تكاليف التأمين البحري بشكل جنوني وهذا الارتفاع يدفع شركات الشحن العالمية تلقائياً إلى اتخاذ قرار ذاتي بوقف العبور وتحويل مسار سفنها، وهو ما يحقق هدف الإغلاق الفعلي دون دخول طهران في مواجهة نظامية مباشرة مع القوات الغربية ولهذا تسعى ايران الى استخدام سياسة الربط الإستراتيجي العملياتي مع مضيق هرمز التي تعتمد على مفهوم “وحدة الساحات البحرية” ، خصوصاً بعد فرض الولايات المتحدة حصاراً بحرياً على الموانئ الإيرانية وتصاعد التوترات في مضيق هرمز، أوعزت طهران للحوثيين بالاستعداد لإغلاق باب المندب كأداة ضغط مضادة ، حيث ان هذا الترابط يهدف إلى خنق المسارات البديلة ، بعد ان أصبحت السعودية تعتمد على نقل النفط عبر خط أنابيب إلى البحر الأحمر لتصديره عبر باب المندب تفادياً لهرمز وان تفعيل ذراع إيران في اليمن يعني محاصرة خطة الطوارئ البديلة لخصومها .


























