بقلم: الفريق الركن صباح نوري العجيلي
الانسحاب أحدى صفحات القتال الأربعة (التقدم والهجوم والدفاع ومن ثم الانسحاب) ، لها أسبابها وظروفها التي تلجأ اليها القوات في الميدان.
و الانسحاب لايعني الهزيمة، وليس كل انسحاب هزيمة، والهزيمة انسحاب فوضوي تنفقد فيه القيادة والسيطرة وتنهار المعنويات وتضع القوات في موقف حرج جداً.
وللانسحاب أسباب عدة منها الانتقال الى مواقع دفاعية أفضل ولغرض إعادة تنظيم الدفاعات والاقتصاد بالقوات وتقليص الجبهات و تامين خطوط المواصلات وكذلك تجنب وقوع المزيد من الخسائر البشرية والمادية في حال البقاء بالمواضع القديمة .
وتتدخل السياسية في قرارات الانسحاب الاستراتيجية لفسح المجال للعمل الدبلوماسي والمفاوضات السياسية لإنهاء الحرب، وكذلك تجنب وقوع معركة حاسمة في غير صالح القوات والبلاد ، لعل قرار انسحاب القوات العراقية الى خط الحدود الدولية عام 1982 أبان الحرب العراقية الإيرانية ، من الامثلة القريبة على الانسحاب لمثل هذه الاعتبارات .
وقد يتسبب الانسحاب السريع وغير المدروس، بارتباك القوات والاخلال بالتوازن وانهيار المعنويات والتحول الى الانسحاب الفوضوي والهزيمة وبالتالي تحقيق اهداف العدو وفقدان الأرض التي يجري الدفاع عنها ووقوع الضحايا والاسرى والخسائر بالأسلحة والمعدات .
احدث الانسحابات في جبهات الحروب هو انسحاب القوات الروسية من مدينة خيرسون عاصمة إقليم خيرسون الاوكراني التي ضمتها روسيا الى أراضيها قبل شهر ونصف ، والتراجع الى الضفة الشرقية لنهر دنيبرو.
ما هو الانسحاب
الانسحاب أحد صفحات القتال وهو مناورة لها أسبابها وظروفها الميدانية تنفذ بموجب خطة واضحة ومحكمة سهلة التنفيذ وتتم بشكل مدروس وأمن ، والانسحاب يعني تخلي وتراجع القوات عن مواقعها الاصلية والانتقال الى مواقع جديدة في نفس القاطع.
والانسحاب يحدث في حالتين ، الأولى: في حالة التماس والقتال مع العدو وهو حركة ومناورة صعبة قد تتحول الى الهزيمة في حال تدخل العدو وفقدان القيادة والسيطرة ويتطلب خطة واضحة وقيادة وسيطرة فاعلة و المحافظة على أمن القطعات والتقيد بالكتمان والسرية في التخطيط والتنفيذ ، وعلى سبيل المثال لمثل هذا النوع من الانسحابات هو انسحاب القوات العراقية التي كانت في حالة تماس مع قوات التحالف من داخل الأراضي الكويتية عام 1991.
اما الحالة الثانية: فهو الذي يجري في حالة عدم وجود تماس بالعدو أي من دون ضغط معادي وذلك عندما تكون قوات العدو بعيدة نسبياً وهذا النوع مريحاً للقطعات والقيادات وتكون معدلات التدمير فيه منخفضة.
أسباب الانسحاب
لابد ان تكون هناك أسباب ضاغطة تجبر القوات على الانسحاب وتغيير مواقعها ، يتصدرها صعوبة الموقف العسكري والبحث عن مواقع أفضل من الناحية السياسية والعسكرية. ومن اهم الأسباب التي تجبر القوات الى اللجوء الى هذه الصفحة :
– انتقال القوات الى موضع دفاعي أفضل ، تستطيع فيه استخدام الأرض واسلحتها وتجهيزاتها بكفاءة أفضل، وتوفر لها مناطق قتل مناسبة لاستدراج العدو.
– تجنب خوض معركة حاسمة بظروف غير ملائمة ، بسبب التفوق المعادي وقلة القطعات، او نقص الامدادات، او بسبب عدم ملائمة المواضع الدفاعية
– تنظيم الدفاعات والاقتصاد بالقوات وتقصير الجبهات الواسعة وخطوط المواصلات .
– تجنب وقوع المزيد من الضحايا والخسائر المادية في حال بقاء القوات في مواقعها القديمة .
– التنسيق مع القوات الصديقة في قواطع العمليات
– الاعتبارات السياسية : لغرض خلق ظروف ملائمة للتفاوض والتحرك السياسي كالانسحاب الإسرائيلي من الأراضي المصرية عام 1973.
أنواع الانسحاب
– الانسحاب السريع لقطع التماس بالعدو
– الانسحاب المدبر الذي يتوفر فيه الوقت الكافي للقوات لإخلاء مواقعها والانتقال الى المواضع الجديدة
– الانسحاب الفوضوي الذي يتحول الى الهزيمة ويتسبب في فقدان القيادة والسيطرة وتدنى الروح المعنوية للمقاتلين ، وهو أخطر أنواع الانسحابات
متطلبات الانسحاب
لنجاح عملية الانسحاب وضمان عدم التدخل المعادي ، يتطلب تهيئة المستلزمات الاتية:
– خطة محكمة وواضحة وسهلة التنفيذ
– استحضارات دقيقة وإجراءات سيطرة واضحة لاسيما في الانسحابات المدبرة
– قيادة وسيطرة فاعلة طيلة مراحل الانسحاب
– توقيتات دقيقة تتحرك بموجبها الى المواقع الجديدة
– ادامة العمل التعرضي طيلة مدة الانسحاب لمنع العدو من التدخل في عملية الانسحاب وتحويله الى هزيمة .
– الحفاظ على معنويات المقاتلين وتماسك القادة والامرين وتجنب حالة الانهيار.
– التنسيق مع القوات الجانبية والصديقة.
الانسحاب الروسي من خيرسون
من احدث الانسحابات في جبهات الحروب، هو انسحاب القوات الروسية الذي يجري في الوقت الحاضر من إقليم خيرسون الاوكراني الذي سبق وان اعلن الرئيس الروسي انضمامه الى روسيا قبل شهر ونصف .
وأعلنت وزارة الدفاع الروسية اكمال انسحاب 30 الف جندي روسي مع 5 الاف قطعة من الأسلحة والمعدات والمركبات الى الضفة الشرقية لنهر الدنيبرو.
ودخلت القوات الخاصة الأوكرانية الى مركز المدينة التي أخليت من القوات الروسية .
قرار الانسحاب الروسي من خيرسون جنوب أوكرانيا والتي ضمتها روسيا مؤخراً الى الضفة الشرقية لنهر دنيبرو، من القرارات الهامة في سير واحداث الحرب في أوكرانيا والذي يصب في صالح القوات الأوكرانية التي بدأت عملياتها في استعادة الأراضي التي سيطرت عليها القوات الروسية.
اصبح الموضع الدفاعي للقوات الروسية على نهر دنيبرو للاستفادة منه كمانع طبيعي وهذه نقطة لصالحها حيث تتحصن خلف مانع يعرقل حركة وهجمات الاوكرانيين، وقام الروس بعمليات تخريب مدبرة للجسور على النهر لحرمان الجانب الاوكراني منها .
من خلال قراءة الموقف الميداني نستنتج أن قرار الانسحاب الروسي جاء بسبب حراجة الموقف العسكري وتفادي الاشتباك والدخول بمعركة مع الجانب الاوكراني في خيرسون لغير صالح قواته هناك ، لاسيما وان القوات الأوكرانية كانت قد بدأت بشن عمليات تحرير للأراضي التي استولى عليها الجانب الروسي.
وكذلك هناك حاجة للقيادات الروسية لتنظيم الدفاعات والاقتصاد بالقوات وتقليص خطوط المواصلات لتأمين أمداد مواد تموين القتال لقواتها في قاطع خيرسون، وتجنب وقوع الضحايا بين صفوف المقاتلين.
يعد الانسحاب من خيرسون حدثاً مهما سوف يؤثر على سير ونتيجة الحرب التي بدأت منذ 24 شباط 2022 ، لقد تحول ميزان القوى لصالح الاوكرانيين في إقليم خيرسون جنوب البلاد ورفع معنويات المقاتلين في القواطع كافة.



























