بقلم: ذكرى البياتي
في كل مرة تضيق بي الحياة…
أعود إلى سورة يوسف، فأتعلم الصبر من جديد.
لا شكّ أن الصبر إنما يتحقق عندما يمرّ الإنسان بابتلاء أو امتحان، فيصبر عليه. ومن هنا ينبثق السؤال:
ما الابتلاء الذي مرّ به يوسف عليه السلام؟ وعلى ماذا صبر؟
كنتُ أتساءل في كل شدة مررت بها:
لماذا سكت نبي الله يعقوب عليه السلام على جريمة أبنائه عندما عادوا إليه بقميص يوسف وعليه دم كذب؟
خصوصًا أنه لم يصدقهم عندما رأى القميص سليمًا دون تمزيق، بل قال: (بل سوّلت لكم أنفسكم أمرًا).
لماذا لم يذهب إلى موقع الجريمة ليبحث عنه كما يفعل أي أب؟
ولماذا لم يُجبرهم على الاعتراف؟
ولماذا لم يحاصرهم بالأسئلة أو يتقصَّ أكثر بحثًا عن قرة عينه؟
واكتفى بقوله: (فصبرٌ جميل والله المستعان على ما تصفون).
وما زادني عجبًا تكرار نفس الرد بعد سنوات طويلة، عندما عاد إليه أبناؤه من مصر وقد نقص عددهم اثنين؛ الأخ الأصغر الذي احتجزه يوسف، والأخ الأكبر الذي بقي خجلًا. فقال مرة أخرى:
(بل سوّلت لكم أنفسكم أمرًا فصبرٌ جميل).
هل كان على يقين بنتائج صبره؟
(عسى الله أن يأتيني بهم جميعًا).
لم يُكاشف يعقوب أبناءه بما في صدره، واكتفى بالتوكل على الله، فهو العليم الحكيم.
ويزداد العجب من كتمانه لألمه: (وتولّى عنهم وقال يا أسفى على يوسف وابيضّت عيناه من الحزن فهو كظيم).
حتى إن أبناءه تعجبوا من صبره، فقالوا:
(تالله تفتأ تذكر يوسف حتى تكون حرضًا أو تكون من الهالكين)،
فأجابهم: (إنما أشكو بثّي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون).
هل أوحي إليه؟
لا نعلم، ولكن ربما كان ممتثلًا بفطرته لعبادة الصبر، أو أُلهِم الطمأنينة من ربه.
وكأن الصبر كان ميراثًا بين الأب وابنه… يتوارثانه في أشدّ المحن.
ننتقل إلى يوسف عليه السلام:
عندما أُلقي في غيابة الجب، هل كان يعلم أن وراء المكيدة حكمة إلهية؟
(وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون).
فصبر كصبر أبيه، وتحمل الغربة والأسر والسجن بضع سنين.
وهنا أتساءل:
لماذا لم يرجع يوسف إلى أهله بعد أن مكّنه الله في الأرض، وهو يعلم مكانهم؟
لماذا لم يسعَ للقاء أبيه؟
كلاهما كان ينتظر ويصبر ويكتم،
وكلاهما كان يؤدي رسالته في هداية الناس، ممتثلًا للصبر الجميل.
وعندما قال يوسف في السجن:
(اذكرني عند ربك)،
فلبث في السجن بضع سنين:
(فأنساه الشيطان ذكر ربه فلبث في السجن بضع سنين).
وعندما اكتمل الصبر، جاء الفرج،
فعاد البصر ليعقوب، واجتمع الشمل، وقال يوسف:
(يا أبتِ هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقًا).
ثم تأمل جمال أخلاقه بعد التمكين:
لم ينتقم، ولم يعاتب، بل قال:
(وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو)،
وقال: (من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي).
إنه الصبر الجميل…
الصبر الذي يطهّر القلب من الانتقام والعتاب.
ثم قال:
(إن ربي لطيف لما يشاء إنه هو العليم الحكيم).
وتابع شكر نعم الله:
(رب قد آتيتني من الملك وعلّمتني من تأويل الأحاديث)،
ثم دعا بتواضع:
(توفّني مسلمًا وألحقني بالصالحين).
عندها أيقنت أن الأنبياء هم أشد الناس ابتلاءً،
وأن الابتلاء قد يكون في أقرب الناس:
في الابن، أو الأخ، أو الزوجة.
كما أدركت أن الفرج لا يأتي إلا بعد تمام الصبر،
كما قال تعالى:
(حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كُذِبوا جاءهم نصرنا).
فعجبت من نفسي… كيف ينفد صبر الإنسان،
وهو يرى كل هذا؟
إنها رسالة عظيمة:
(ما كان حديثًا يُفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون).
فالصبر ليس انتظارًا صامتًا…
بل يقينٌ بأن الله يدبّر كل شيء في الخفاء، حتى يأتي الفرج في أجمل صورة لم نتخيلها.
إنه الصبر الجميل…
فإذا ابتلاك الله، فلا تطلب إلا أن يرزقك الصبر الجميل.
اللهم اجعلنا من الصابرين المستغفرين… آمين




























