بقلم: الدكتور هاشم الحمامي
شهد العراق منذ عام 2003 تحولات سياسية دراماتيكية، حيث أعادت الولايات المتحدة رسم ملامح النظام السياسي بعد احتلال العراق، لكنها تركت المجال مفتوحًا أمام النفوذ الإيراني ليصبغ هذه اللوحة بألوانه الخاصة. والنتيجة كانت نظاماً سياسياً فاسداً هشاً، يتبع ولاية الفقيه في طهران، ويمثل جزءاً من المحور الإيراني الذي تسبب في زعزعة استقرار المنطقة.
التخادم الأمريكي – الإيراني: لعبة المصالح المتبادلة
لم يكن النفوذ الإيراني في العراق مجرد نتيجة طبيعية للفراغ الذي خلفه الاحتلال الأمريكي، بل جاء ضمن تفاهمات غير معلنة بين طهران وواشنطن. فقد تغاضت الولايات المتحدة عن التغلغل الإيراني في العراق، خاصة خلال احتلالها لأفغانستان والعراق، حيث احتاج الطرفان إلى بعضهما البعض لضمان مصالحهما الاستراتيجية.
إيران، من جهتها، استثمرت هذا النفوذ في بناء شبكة من الميليشيات والأحزاب الولائية التي ضمنت استمرار تبعيتها لها، بينما استفادت الولايات المتحدة من “الفزاعة الإيرانية” لتبرير استمرار وجودها العسكري في المنطقة، واستنزاف دول الخليج عبر صفقات تسليح ضخمة تحت ذريعة الحماية من الخطر الإيراني.
منعطف 7 أكتوبر 2023: تغير قواعد اللعبة
على مدار عقدين، لم تتجاوز المواجهات بين الولايات المتحدة وإيران خطوط اللعبة المرسومة إلا باستثناءات بسيطة، حتى جاءت أحداث 7 أكتوبر 2023، التي مثلت زلزالًا استراتيجيا في المنطقة. الهجوم غير المسبوق لحماس على إسرائيل دفع واشنطن وتل أبيب إلى تغيير نهجهما في التعامل مع إيران ووكلائها.
بدأت إسرائيل، بدعم أمريكي، بتقليم أظافر إيران في المنطقة، عبر ضربات عسكرية متواصلة استهدفت أذرعها في غزة وسوريا ولبنان واليمن، وصولاً إلى استهداف الداخل الإيراني نفسه، فضلاً عن مقتل عدد من جنرالات الحرس الثوري. ومع تصاعد الضغط الدولي، سقط نظام بشار الأسد في سوريا، ليصبح العراق آخر القلاع الرئيسية للمحور الإيراني في الشرق الأوسط.
ترامب والملف العراقي: المواجهة الحتمية
مع فوز دونالد ترامب بولاية ثانية، تتجه الأنظار إلى العراق، حيث لم يخفِ ترامب نواياه بشأن تغيير الوضع القائم هناك. فهو يرى أن الوقت قد حان لإنهاء الهيمنة الإيرانية المزعزعة للاستقرار في المنطقة، واستعادة واشنطن لزمام الأمور.
وفي هذا السياق، بدأت الولايات المتحدة بفرض شروط صارمة على الحكومة العراقية، شملت:
- وقف تدفق الدولار الأمريكي إلى إيران عبر العراق، وهو ما يمثل ضربة قوية لطهران التي تعتمد على بغداد في التحايل على العقوبات.
- إنهاء دور الميليشيات المسلحة التي تدين بالولاء لإيران، وتفكيك شبكاتها داخل العراق.
- التوقف عن شراء الغاز الإيراني من قبل العراق الذي يمثل شرياناً حيوياً لإيران للتحايل على العقوبات الأمريكية.
هذا الضغط الأمريكي وضع الحكومة العراقية أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما مواجهة العقوبات الأمريكية القاسية، والتي قد تعني انهيار النظام الاقتصادي والسياسي بالكامل، أو الدخول في مواجهة مفتوحة مع الأحزاب والميليشيات المدعومة من إيران داخل العراق، وهي مواجهة قد تكون مكلفة وغير مضمونة النتائج، فضلاً عن كون الحكومة العراقية الحالية لا تمتلك الإرادة لاتخاذ مثل هذا القرار.
محاولات النجاة: هل يكون الكاظمي هو المنقذ؟
أمام هذا الواقع المعقد، بدأت القوى السياسية العراقية تبحث عن مخرج. وبرزت محاولات عدة للالتفاف على الضغوط الأمريكية، منها محاولة شراء ذمم بعض الشخصيات المؤثرة في البيت الأبيض، ومنها محاولات التسوية مع فريق ترامب، عن طريق لوبيات مزدوجة الولاء لإيجاد حلول وسط.
وفي هذا السياق، طُرح اسم مصطفى الكاظمي كمرشح لتولي دور “المنقذ“، لسفينة القراصنة التي اشرفت على الغرق باعتباره شخصية تحظى بقبول أمريكي وبريطاني وخليجي، وربما يستطيع التوصل إلى تسوية تُرضي واشنطن، وتحافظ على الحد الأدنى من استقرار النظام السياسي في العراق.
لكن السؤال الكبير يظل: هل يكون الكاظمي هو “القرصان” الذي يقود التغيير في العراق بـ“أوراق ناعمة“، دون أن تندلع عاصفة تقتلع جذور النظام السياسي الفاشل؟ أم أن الرياح القادمة ستكون أقوى مما يمكن احتواؤه؟
إن قبول الولايات المتحدة الأمريكية والدول الفاعلة في منطقة الشرق الأوسط لهذه التسوية، دون أن تضع الشروط التي تضمن اجتثاث السرطان الإيراني في العراق من جذوره، سيكون بمثابة محاولة حرف مسار رياح التغيير لإنقاذ سفينة القراصنة التي اوشكت على الغرق في العراق.
الأيام والأسابيع القادمة كفيلة بالإجابة عن هذه التساؤلات، فالعراق يقف اليوم عند مفترق طرق، وحتمية التغيير لا مفر منها، ولكن قد يكون برياح ناعمة هذه المرة.



























