بقلم: الدكتور اسماعيل الجنابي
في عالم تمزقه الصراعات و تتقاذفه أمواج التحولات السياسية والاقتصادية، تقف المملكة المغربية كواحة هادئة تثير دهشة المراقبين وإعجاب الزوار ولعل السائل عن سر هذا “الاستثناء المغربي” لن يجد إجابته في بطون الكتب السياسية الجافة، بل سيجدها تنبض في تفاصيل الحياة اليومية للمغاربة؛ إنها معادلة وجدانية فريدة صاغتها القرون، تجمع بين ملك رحيم يضع نبض شعبه في صدارة أولوياته، وشعب عريق يتنفس قيم الوفاء والشهامة التي تجعل للمغاربة كل الحق في الفخر بوطنهم ونمط حياتهم ، كونه يجمع بين أصالة التاريخ وحداثة الحاضر في منظومة فريدة أسست ركائزها على نهج وطني وتنمية بشرية أطلقها باني نهضتها ملك الفقراء أو “أبو الغلابة” الملك محمد السادس منذ اعتلائه العرش وذلك نظراً لتركيزه المباشر على المشاريع الاجتماعية ودعم الفئات الهشة والمحتاجة ضمن برنامج ضخم لمحاربة الفقر، والإقصاء الاجتماعي، وتأهيل البنى التحتية في القرى والأحياء الفقيرة وحماية اجتماعية شاملة ذات تغطية صحية ودعم اسكاني لأصحاب الدخل المحدود للقضاء على دور الصفيح من أجل سكن لائق للفئات ضعيفة .
يمتلك المغرب الذي سيحتفل في الثلاثين من تموز الذكرى السابعة والعشرون بذكرى اعتلاء جلالة الملك محمد السادس عرش اسلافه ، خصوصية استثنائية تجعله نموذجاً فريداً بين الدول، حيث يمزج بين موقعه الاستراتيجي وعمقه التاريخي وحداثته الصاعدة على ضفاف واجهتين بحريتين بين المحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط وتعددية ثقافية دستورية تدمج الهوية العربية الإسلامية، والأمازيغية، والصحراوية الحسانية، والروافد الإفريقية والأندلسية حولته الى قبلة عالمية يشار لها بالبنان.
من لا يزور المغرب لا يحسب نفسه رأى العالم ، كان هذا انطباعي منذ أن حطت أقدامي مطار الملك محمد الخامس حتى وصولي الى الفندق والمكوث فيه لخمس أيام و تجوالي في مدينة الرباط وزيارة بعض المعالم التاريخية ولعل أكثر ما شدني في المغرب هو ناسها الطيبين الخلوقين والنظافة التي تحيط بشوارعها وأزقتها وحدائقها الخضراء ولعل العلامة الفارقة فيما لمسته أثناء الزيارة ، انني شعرت بالأمان ولم أرى رجال الأمن وجعجعة العسكر المدججة بالسلاح فهذا ان دل على شيء انما يدل على الاستراتيجية الذكية التي توفرها السلطات الأمنية دون الحاجة الى الظهور العسكري المكثف في الشوارع دون إشعار المواطن أو السائح بالتوتر أو القلق الأمني، ما يعزز الإحساس بالطمأنينة ، حيث يتركز التواجد العلني لعناصر الأمن الوطني في الأماكن الحساسة، والمناطق السياحية، والمحاور الرئيسية، لتقديم المساعدة والتدخل السريع عند الضرورة ، الأمر الذي جعل معدل الجريمة في المدن المغربية منخفضاً مقارنة بالعديد من الوجهات الدولية، بفضل الرصد الاستباقي الصارم والجهود المستمرة ، ما يعكس قدرة المؤسسات الأمنية على فرض النظام وحفظ الأمان دون المساس بحرية وراحة الأفراد المستمدة من المحبة والروابط المتينة بين الشعب المغربي والملك محمد السادس التي تستند إلى أسس تاريخية، ودستورية، وإنجازات ملموسة على أرض الواقع.
يجمع الملك المغربي بين الصفة السياسية والصفة الروحية كـ “أمير المؤمنين”، وهي ميزة دستورية تمنح مؤسسة العرش رمزية دينية تجمع المغاربة وتصون ثوابتهم الروحية المشتركة المستمدة من الدولة العلوية الشريفة لقرون، ما يجعل الملكية رمزاً لوحدة الأمة، واستقلالها، واستمراريتها التاريخية عبر الأجيال الذين يرون في المؤسسة الملكية الضامن الأول للأمن والاستقرار السياسي، خاصة عند مقارنة وضع البلاد الهادئ بمحيط إقليمي ودولي مضطرب مليء بالتحولات نحو ثورة هادئة لتحديث البنية التحتية والمشاريع العملاقة (كالطاقة المتجددة، وصناعة السيارات، والموانئ العالمية)، ما نقل المغرب إلى مصاف القوى الصاعدة وفرض احترامه دولياً ويجسد التاريخ المغربي نموذجاً فريداً من التلاحم العضوي بين العرش والشعب، حيث كانت المحطات الكبرى والحاسمة في تاريخ البلاد تُصنع دائماً بقرار مشترك وتناغم تام بين السلاطين والملوك من جهة، والحركة الوطنية والشعب المغربي من جهة أخرى ، امتدت لعقود من الزمن ، انها مسيرة الخلف الصالح عبر موروث وطني نحو صناعة الحياة لشعب عريق وقيادة حكيمة مباشرة للملك محمد السادس.
المغرب هي الواحة الخضراء النقية التي امتزجت بالعراقة المعبرة بصدق عن عبقرية هذا البلد في الحفاظ على بيئته وتاريخه، مع الانفتاح الكامل على العصر الحديث ومستجداته في ظل ملك رحيم لشعب اصيل تلتقي فيها العاطفة الإنسانية للقيادة بالشهامة والأصالة المتجذرة في الشعب الذي يجمع بين الكرم الحاتمي والتآزر وقت الشدائد نحو العطاء المستمر والدؤوب في دعم اقتصاد بلدهم ونقل المعارف، والترويج لقضايا وطنهم بوطنية صادقة حولت الرؤية الملكية الاستراتيجية الى حماس وتضامن شعبي تلقائي إلى مشاريع مستدامة تدفع بعجلة التنمية ، انها الإمبراطورية الشريفة وأرض مغرب الشمس و بوابة إفريقيا التي صنعت المجد التليد.


























