بقلم: الدكتور اسماعيل الجنابي
في عالم السياسة الدولية، لا يتحرك الوسطاء دائمًا دافعًا بـ “الشهامة الدبلوماسية”، بل تسيرهم غريزة “الأمن الوقائي” والمصالح الحيوية الخانقة. هذا المشهد يتجسد بدقة اليوم في الجهود المكثفة التي تبذلها كل من الدوحة وإسلام آباد لمد الجسور بين واشنطن وطهران، في وقت بلغت فيه المنطقة حافة الهاوية الأمنية والاقتصادية.
ومع تعاظم هذا الدور، يبرز تساؤل بنيوي حاسم: هل يملك هؤلاء الوسطاء أدوات ضغط حقيقية قادرة على تغيير سلوك القوى الكبرى، أم أن دورهم لا يتعدى كبار “سعاة البريد” الذين يحملون الرسائل الساخنة بين العواصم؟
الوساطة في هذه الأزمة ليست ترفًا سياسيًا ، بالنسبة لباكستان، بل لدوافع ممزوجة بالخوف والاضطرار، على اعتبار ان الحرب الشاملة تشكل كابوسًا جيوسياسيًا يهدد بانهيار داخلي، حيث تشترك مع إيران في حدود برية بطول 900 كيلومتر، وتعاني من أزمة طاقة خانقة جعلت اقتصادها رهينة لأي قفزة في أسعار الوقود أو إغلاق لمضيق هرمز.
أما بالنسبة لقطر، فإن المعادلة أكثر حساسية ، فرغم تحالفها الاستراتيجي مع واشنطن واستضافتها لقاعدة “العيديد” الجوية، فإن ثروتها القومية المتمثلة في منشآت إسالة الغاز وحقل الشمال المشترك مع إيران، الا انها تقع جغرافياً تحت رحمة الترسانة الصاروخية لطهران وفصائلها العابرة للحدود ، فالدبلوماسية القطرية هنا هي “درع واقٍ” صُمم خصيصًا لضمان بقاء الدوحة خارج معادلة الاستهداف المباشر في حال اشتعال المواجهة.
ماهي ادوات القوة والضغط التي للوسيطان
من الناحية العسكرية والاقتصادية الصرفة، لا تملك إسلام آباد أو الدوحة أدوات قوة خشنة (كالعقوبات أو القدرة على الإرغام العسكري) لفرض إرادتهما على الولايات المتحدة أو إيران ، لكن القوة الحقيقية للوسيط في العلاقات الدولية لا تنبع دائمًا من امتلاك أدوات الردع، بل من “حاجة الأطراف المتصارعة إليه خصوصاً في العمق الجغرافي والأمني الحرج ، كونها الرئة الامنة للجغرافيًة الإيرانية لامتلاكها جيش قوي وقدرات استخباراتية هائلة ما يعني ، أن طهران لا يمكنها تحمل خسارة التنسيق الأمني مع إسلام آباد ، لأن أي تراخٍ باكستاني قد يحوّل هذه الحدود الممتدة إلى ساحة انطلاق لعمليات استخباراتية معادية أو تحركات لجماعات معارضة للنظام الإيراني ، اضافة الى كونها الدولة الإسلامية الوحيدة التي تمتلك سلاحاً نووياً ما يفرض على طهران (التي يسعى نظامها لامتلاك الردع النووي) التعامل مع القيادة العسكرية الباكستانية بمهابة وحذر شديدين، وتجنب أي صدام حقيقي معها ، يضاف الى ذلك البعد الطائفي الإقليمي ، حيث تدرك إيران أن أي تصعيد غير مدروس مع إسلام آباد قد يثير حساسيات طائفية داخل باكستان (التي تضم أغلبية سنية وأقليّة شيعية كبيرة ومتعايشة)، ما قد يرتد سلباً على نفوذ طهران الإقليمي.
حدود الحياد: عندما تسقط الطائرات ويتحدث السلاح
الرد العسكري ليس دليلاً على قوة الوسيط ، وانما على ورطته في إسقاط الطائرات الايرانية من قبل المضادات القطرية ، حيث لم يكن الاسقاط استعراضاً للقوة أو رغبة في فرض الشروط، بل كان “استجابة اضطرارية لخرق أمني“ تمنّت الدوحة لو أنه لم يحدث أصلاً ، لأنه يعقد موقفها الدبلوماسي ويحرجها كوسطاء أمام طهران، مايعني الخوف من الانتقام وليس الرغبة في التأثير ، على اعتباران التداخل العسكري المباشر لا يجعل قطر “لاعباً مؤثراً يفرض شروطه”، بل يضعها في موقف “الدفاع المذعور” عن منشآتها ولهذا تتحرك قطر الآن لإنقاذ الوساطة ليس لأنها قوية، بل لأنها تخشى رد فعل إيراني انتقامي صامت (عبر المسيرات أو الفصائل) قد يستهدف اقتصادها تحت أي ذريعة مستقبلاً.
في لحظات التصعيد الأقصى، عندما تصل واشنطن وطهران إلى طريق مسدود ترفض فيه أي منهما التراجع خوفًا من خسارة الهيبة السياسية، يبرز دور الوسيط في هندسة ما يُعرف بـ “الممر الآمن” أو “السّلم الدبلوماسي” والتنازل للوسيط يُصنف في قاموس السياسة كاستجابة لمساعي “الأشقاء والأصدقاء”، ما يحفظ ماء وجه القوى المتصارعة ولهذا ولدت “مذكرة تفاهم إسلام آباد”، كصياغة ذكية لمحاولة تقريب المواقف المتباعدة وتأطير الشروط الأمريكية المعقدة في قالب تفاوضي عملي ومقبول إيرانيًا.
النتائج والتوقعات
نعتقد ان المحصلة النهائية لجهود باكستان وقطر هي الدوران في فلك “أنصاف الحلول” وإدارة الأزمة وليس حلها، وذلك بسبب الجدران السميكة من التشدد والشروط الصفرية التي يفرضها الطرفان المتخاصمان (واشنطن وطهران) ، بالنسبة لامريكا التي تستند على جدار التشدد الحاسم الذي يعرف بـ”المعادلة الصفرية” وذلك لاصرارها على التفكيك الكامل والشامل لأذرع إيران ونفوذها العسكري في المنطقة (خاصة الفصائل العراقية)، وتضع مهلًا زمنية صارمة لا تقبل التأويل لفرض سيادة الدولة على السلاح ، في حين ترى ايران في ترسانة الفصائل المسلحة العابرة للحدود خط دفاعها الأول والحيوي عن أمنها القومي، وتعتبر التخلي عنها بمثابة انتحار سياسي وعسكري أمام الضغوط الأمريكية والإسرائيلية ، و أمام هذا التصلب، يدرك الوسطاء (إسلام آباد والدوحة) عجزهم عن تحقيق “سلام دائم” أو نزع سلاح كامل، لذلك يلجأون إلى صيغ رمادية ومؤقتة تشمل الدمج الصوري والمناورة بالوقت من خلال تسويق فكرة دمج عناصر الفصائل ووضع السلاح في مستودعات حكومية (كحل وسط يرضي واشنطن ظاهرياً)، مع بقاء الهيكل العقائدي والقيادي للفصائل موالياً لطهران فعلياً ، وبمعنى أدق ، أن باكستان (المتسلحة بوزنها العسكري ودالتها الشخصية على ترامب) وقطر (المحكومة بهواجس الحفاظ على أمنها النفطي والمنشآت الحيوية) لا تصنعان حلاً جذرياً ، بل يصنعان مسكنات الألم فقط.























