بقلم: الدكتور اسماعيل الجنابي
أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب فرض حرب اقتصادية وحصار بحري “فولاذي” شامل على إيران، واصفاً إياه بأشد عملية اقتصادية في التاريخ، ومؤكداً إغلاق باب التفاوض مع طهران بعد إهدارها لفرص المتاحة للاتفاق سيرسم ملامح سياسية جديدة خالية من البارود لكن اثارها تفوق لغة الرصاص وتكمن السياسة الجديدة وتفاصيلها على النحو التالي:
- حصار بحري: فرض قطع أسطول وسفن حربية أمريكية حصاراً فعالاً على الموانئ الإيرانية ومضيق هرمز.
- عقوبات وحظر: توعد ترامب أي دولة أو مؤسسة مالية أو شركة تقدم دعماً لإيران بعواقب اقتصادية وخيمة.
- شل الحركة: استهداف عمليات تهريب النفط، التحويلات النقدية، والشركات الوهمية المرتبطة بطهران.
اختار الرئيس الأميركي دونالد ترامب خيار الحرب الاقتصادية القصوى كبديل للتصعيد العسكري المباشر لعدة أسباب استراتيجية ومالية، أبرزها تجنب التكاليف الباهظة للحروب التقليدية، وحماية الاقتصاد الأميركي من تقلبات أسواق الطاقة، إلى جانب الضغط لتركيع النظام الإيراني دون الانزلاق إلى “حرب أبدية” جديدة في الشرق الأوسط .
الأسباب الاستراتيجية والسياسية لخيار الحرب الاقتصادية
- العبء المالي المرتفع: تجاوز الدين العام الأميركي حاجز 40 تريليون دولار، مما يجعل كلفة العمليات العسكرية المفتوحة عبئاً لا يتحمله الاقتصاد الأميركي.
- تأمين أسواق الطاقة: تفادي حدوث قفزات جنونية في أسعار النفط العالمية والوقود داخل أميركا، والتي تنتج عادة عن أي مواجهة عسكرية واسعة النطاق في الخليج ومضيق هرمز.
- استراتيجية الاستنزاف الصامت: يرى ترامب أن الخنق الاقتصادي وتجفيف منابع المال والعملات المشفرة يؤدي إلى انهيار داخلي للنظام دون الحاجة لإطلاق رصاصة واحدة.
- الحد من كفاءة السلاح: تسهم العقوبات الصارمة في منع استيراد قطع الغيار، مما يضعف كفاءة الصواريخ والمسيّرات الإيرانية بمرور الوقت.
- أوراق الضغط التجاري: يفضل ترامب استخدام سلاح الرسوم الجمركية بنسبة 25% كأداة لإجبار دول العالم وحلفائه على الاختيار بين التجارة مع أميركا أو مع إيران.
- الوفاء بالوعود الانتخابية: يلتزم ترامب بمبدأ “أميركا أولاً” المرتكز على إنهاء الصراعات العسكرية الخارجية وسحب القوات، والتركيز على البناء الاقتصادي الداخلي
الرد الايراني
ترتكز الاستراتيجية الإيرانية للرد على “الحرب الاقتصادية القصوى” التي أعلنها الرئيس دونالد ترامب على مبدأ “المقاومة النشطة”، والالتفاف المالي، واستخدام مضيق هرمز كورقة ضغط استراتيجية لإفشال الحصار وتهدف طهران من خلال هذا الرد إلى رفع الكلفة على واشنطن وحلفائها لفرض العودة إلى طاولة مفاوضات متكافئة دون استسلام.
وتتوزع محاور الرد الإيراني على النحو التالي:
- الرد الميداني وأوراق الضغط الملاحي(مضيق هرمز)
- التحكم بالممر المائي: تتمسك إيران بإدارة وحظر الملاحة في مضيق هرمز، حيث تشترط الحصول على إذن مسبق للمرور وسعت لفرض “بدل خدمات”، وتؤكد أن سلطة فتح أو إغلاق المضيق بيدها حصراً رداً على محاولات فرض السيطرة الأميركية عليه.
- تهديد إمدادات الطاقة العالمية : تدرك طهران أن تعطيل حركة الملاحة أو استهداف بعض السفن يرفع أسعار النفط العالمية إلى مستويات قياسية، وهو ما يشكل ضغطاً مباشراً على الاقتصاد الأميركي والغربي.
- الالتفاف الاقتصادي والدبلوماسية المالية
الاتكاء على الشريك الصيني: تعتمد إيران بشكل شبه كامل على بكين؛ حيث تشتري الصين أكثر من 80% من النفط الإيراني المنقول بحراً، ما يمثل شريان الحياة الرئيسي لمواجهة الحصار.
- شبكات التهريب والمقايضة: تمتلك طهران خبرة عقود طويلة في توظيف “الشركات الوهمية”، ومكاتب الصرافة البديلة، والتحويلات النقدية غير الخاضعة لنظام “سويفت” الدولي للالتفاف على العقوبات.
- الاستراتيجية العسكرية (إطالة أمد المواجهة)
استراتيجية الاستنزاف الممتد: يلوّح مستشارو الحرس الثوري بخيار إطالة أمد المواجهة حتى نهاية ولاية ترامب ويرون أن الوقت يمثل ضغطاً على الإدارة الأميركية التي تعاني من أزمة ديون داخلية.
- استمرار التطوير العسكري: يواصل الحرس الثوري إنتاج وتطوير أجيال جديدة من الصواريخ الباليستية والمسيّرات بدقة تدميرية أعلى، ملوحاً بتوسيع رقعة الصراع واستهداف مصالح حيوية وقواعد عسكرية إذا جرى استهداف بنيتها التحتية.
- الخطاب السياسي والمفاوضات المشروطة
- رفض الاستسلام: تصر وزارة الخارجية الإيرانية على أن العقوبات الأميركية هي “إرهاب اقتصادي” لن يجبر البلاد على تقديم تنازلات مجانية.
- التفاوض من موقع القوة: تبدي طهران انفتاحاً مشروطاً على الحوار لكنها ترفض مقترحات وقف إطلاق النار المؤقت، وتشترط للحل الدائم الرفع الشامل للعقوبات وإقرار بروتوكول معتمد للمرور الآمن في مضيق هرمز.
النتائج والتوقعات
تتجه المواجهة بين واشنطن وطهران بعد إعلان ترامب “حرب الحسم الاقتصادي” إلى مسار استنزاف طويل الأمد، تزداد فيه احتمالات الانهيار الداخلي للاقتصاد الإيراني ، حيث يتوقع البنك الدولي استمرار انكماش الناتج المحلي الإيراني (الذي تراجع بنسبة 2.7%)، مع اتساع ظاهرة “الشراء بالتقسيط” لتشمل الأغذية والأدوية والخدمات الطبية الأساسية نتيجة القفزات الجنونية ، يضاف الى ذلك حصول شلل القطاع المالي بعد قرار دولة الإمارات تعليق كافة المعاملات المالية والتجارية مع طهران، ستواجه إيران عزلة خانقة تفقدها أحد أهم شرايين الالتفاف التاريخية على العقوبات ، اضافة الى حصول تآكل في كفاءة السلاح نتيجة القيود الصارمة على تداولات العملات المشفرة ، مايؤدي الى إضعاف القدرات التصنيعية طويلة المدى لجيل الصواريخ والمسيّرات الإيرانية ، اما على المستوى الخارجي سيحصل قفزات في أسعار الطاقة العالمية واشتعال جبهات عسكرية بديلة ويتوقع المحللون أن ترسم النتائج المستقبلية خريطة صراع جديدة للمنطقة .
ومن المتوقع ان تقوم ايران بنقل المعركة إلى الساحة الأوروبية بغية الخروج من عباءة “الدفاع” إلى “الهجوم الكامل”، ووضع بنك أهداف يتجاوز الشرق الأوسط ليشمل ضرب أصول وقواعد عسكرية أميركية في جنوب شرق أوروبا ، إذا تم تضييق الخناق البحري أكثر، فيما يبقى خيار العودة للتفاوض الى نقطة الصفر قائمة جداً بعد بلوغ ايران حافة الهاوية الاقتصادية ، ولكن بشروط جديدة كلياً تفرضها الولايات المتحدة من موقع القوة بعد انتهاء مفعول مذكرات التوقع المرجح على المدى البعيد هو عودة الطرفين مجبراً إلى طاولة المفاوضات بعد بلوغ حافة الهاوية الاقتصادية، ولكن بشروط جديدة كلياً تفرضها الولايات المتحدة من موقع القوة بعد انتهاء مفعول مذكرات التفاهم السابقة.
























