بقلم: الدكتور اسماعيل الجنابي
يواجه المشهد السياسي والأمني في العراق تحولاً مفصلياً جديداً مع تصاعد الجدل حول مساعي حكومة الزيدي نحو إقرار وتعديل قانون الحشد الشعبي ، فبينما ترى الأطراف الداعمة لهذا التوجه خطوة ضرورية لمأسسة هذه القوة وتثبيتها كركيزة رسمية ضمن المنظومة الدفاعية للدولة ، تبدي المكونات والقوى السياسية الأخرى مخاوف عميقة تتركز حول انعكاسات هذا التشريع على التوازن الميداني ومفهوم الشراكة الوطنية ، ما يفتح الباب امام صراع تشريعي قد تعكس تداعياته المباشرة على الاستقرار المجتمعي ومستقبل العلاقة بين مختلف المكونات العراقية وتتلخص أبرز تداعيات هذا الموضوع في النقاط التالية:
المخاوف والمواقف العامة للمكونات
- المكون السني: يرى في تشريع القانون تكريساً للهيمنة الطائفية ونسفاً لمبدأ التوازن ومفهوم “الشراكة الوطنية” في إدارة الملف الأمني.
- المكون الكردي: يبدي ممانعة شديدة لشرعنة مؤسسة دفاعية يراها خارج الاطار الدستوري التقليدي، ما قد يهدد مستقبلاً أمن إقليم كردستان.
تداعيات ميدانية وسياسية محددة
- اختلال التوازن العسكري: تمنح التعديلات لمنتسبي الحشد امتيازات وتسليحاً متطوراً وموازنات ضخمة، مقابل عدم إقرار ما يعادلها لقوات البيشمركة الكردية أو العشائرية السنية.
- توسيع النفوذ في المناطق المختلطة: تخشى القوى السنية والكردية من تثبيت السيطرة الأمنية للفصائل في المحافظات المحررة والمناطق المتنازع عليها (مثل كركوك ونينوى وديالى ).
- تهديد السلم المجتمعي: تثير زيادة أعداد أفراد الحشد وصلاحيات قادته مخاوف من تكرار اتهامات سابقة تتعلق بالتغييرات الديمغرافية في بعض المناطق.
- الانقسام تحت قبة البرلمان: قد يتحول الإصرار على تمرير القرار داخل قبة البرلمان الى حلبة صراع ، ما يضعف التوافق السياسي اللازم لتمرير قوانين أخرى تهم المكونات (مثل قانون العفو العام أو النفط والغاز).
تُشير المعطيات التحليلية والكواليس السياسية إلى أن زيارة رئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف، إلى بغداد لم تُغيّر موقف رئيس الوزراء علي فالح الزيدي، بل جاءت كمحاولة لاحتواء إصراره على مهلة “30 سبتمبر” لحصر السلاح رغم الضغوط الإيرانية ، ما جعل الزيارة ساحة لتقديم مقترحات بديلة لتفادي الصدام المباشر بين الدولة والفصائل وقد شملت الأفكار المطروحة إخفاء أو تجميد السلاح الثقيل للفصائل، أو نقله مؤقتاً إلى إيران، بدلاً من تسليمه المباشر للحكومة ، اضافة الى توازن الحسابات الإيرانية التي ترى أن استقرار حكومة الزيدي مصلحة حيوية لها، خاصة في ظل الأزمات الإقليمية ومخاطر إغلاق مضيق هرمز الذي يمر عبره 90% من نفط العراق
اقرار قانون الحشد الشعبي (شرعنة السلاح)
يُمثل هذا التساؤل جوهر الخلاف والانقسام القائم في العراق؛ حيث يُجمع أغلب المراقبين السياسيين والقوى المعارضة على أن إقرار القانون بصيغته الحالية يعد شرعنة صريحة وتقنيناً لسلاح الفصائل تحت غطاء الدولة، بينما تدفع الحكومة والقوى المقربة منها بأنها خطوة “تنظيمية” لا بديل عنها لضبط هذا السلاح وتنقسم رؤية المشهد حول هذه الإشكالية إلى فرضيتين متناقضتين:
- الرؤية التي تراه “شرعنة وتثبيتاً لسلاح الفصائل”
تستند هذه القراءة (التي تتبناها المكونات الأخرى والمعارضون) إلى عدة حقائق ميدانية:
- ازدواجية الولاء: إن دمج الفصائل في مؤسسة رسمية لا يغير من أيديولوجيتها؛ حيث تظل تابعة عقائدياً وسياسياً لقادتها أو لأطراف إقليمية، مما يمنحها حصانة قانونية وموازنات مالية ضخمة دون فك ارتباطها الحزبي.
- إضعاف الجيش التقليدي: يؤدي تشريع وجود قوة عسكرية موازية إلى خلق صيغة تشبه نموذج “الحرس الثوري”، مما يضعف هيبة وسلطة وزارة الدفاع والداخلية كجهات حصرية لحمل السلاح.
- الالتفاف على حصر السلاح: يرى المنتقدون أن القانون يوفر مخرجاً قانونياً للفصائل للاحتفاظ بسلاحها الثقيل، عبر تصنيفه كسلاح تملكه “هيئة رسمية” تابعة للدولة، وبالتالي تفريغ وعود الحكومة بحصر السلاح من محتواها.
- الرؤية الحكومية (المأسسة كأمر واقع)
في المقابل، تدافع الحكومة والكتل الداعمة لها عن القانون من منظور واقعي:
- السيطرة الإدارية والمالية: ترى الحكومة أن نقل القيادة والسيطرة والتمويل إلى الدولة يجعل الفصائل خاضعة لسلطة القائد العام للقوات المسلحة قانونياً، مما يسهل محاسبة أي طرف يخرج عن الأوامر العسكرية الرسمية.
- تفكيك الفصائلية بالتدريج: يُنظر إلى القانون كخطوة أولى لتحويل أفراد الفصائل إلى “موظفين عسكريين” ملتزمين بالضوابط والقوانين العسكرية، لأجل سحب البساط تدريجياً من تحت القادة السياسيين لتلك الفصائل.
النتائج والتوقعات
بين مأسسة الحشد وتنظيمه ومستقبله وشرعنة السلاح المنفلت ، يقف الشارع العراقي والأوساط السياسية أمام قراءتين متناقضتين لطبيعة إقرار قانون الحشد الشعبي ، ففي الوقت الذي تدافع فيه الحكومة والقوى المؤيدة لها عن الخطوة بوصفها مساراً واقعياً لمأسسة السلاح، وإخضاعه إدارياً ومالياً لسلطة القائد العام للقوات المسلحة لتفكيك الصبغة الفصائلية بالتدريج، يرى منتقدون وقوى معارضة في هذا التشريع “شرعنة صريحة وتقنيناً” لسلاح الفصائل وبحسب هذه الرؤية الرافضة، فإن القانون يمنح غطاءً رسمياً وحصانة قانونية وموازنات ضخمة لقوى مسلحة تحتفظ بأيديولوجيتها وازدواجية ولائها، ما يساهم في خلق منظومة عسكرية موازية تضعف الجيش التقليدي، وتفرغ الوعود الحكومية بحصر السلاح من محتواها الحقيقي ، فيما يذهب بعض اصحاب القرار الى طرح فكرة تجميد نزع سلاح الفصائل لما بعد انتهاء فترة حكم الرئيس ترامب من أجل كسب الوقت والتحايل على القرار الأمريكي الذي يريد الزيدي تطبيقه لضمان بقاءه في السلطة.

























