تحت المجهر
بقلم: موفق الخطاب
بعد ان خفت الضجيج الاعلامي و صحى العالم من الصدمة التي هزت الانظمة والشعوب على حد سواء في تصرف امريكي لم يعهده النظام الدولي..
دعونا نفهم ما جرى في فنزويلا ولا نكتفي او نركن الى الرواية التقليدية الامريكية التي تتحدث عن “الديمقراطية” أو “المخدرات” أو “حقوق الإنسان”. فخلف هذا الضجيج الإعلامي تكمن قضية أعمق وأكثر خطورة الا وهو الصراع على النظام المالي العالمي، وتحديدًا على بقاء الدولار الأمريكي كعملة مهيمنة على اقتصاديات.
تعود جذور هذه القصة إلى عام 1974، حين عقد هنري كيسنجر ثعلب السياسة الخارجية اتفاقًا استراتيجيًا مع الدول المهيمنة على استخراج وتصدير النفط، يقضي بتسعير النفط عالميًا بالدولار مقابل توفير الحماية العسكرية الأمريكية.
هذه الصفقة لم تكن نفطية فحسب، بل كانت نقدية بامتياز، إذ أنشأت ما عُرف لاحقًا بنظام “البترودولار”، الذي فرض على دول العالم الاحتفاظ بالدولار من أجل شراء الطاقة، ومنح الولايات المتحدة قدرة استثنائية على طباعة العملة دون غطاء عملة من الذهب .
من هنا، يصبح مفهوماً لماذا تمثل فنزويلا حالة استثنائية ومقلقة لواشنطن. فهذه الدولة تمتلك نحو 303 مليارات برميل من الاحتياطي النفطي المؤكد، وهو الأكبر عالميًا، متجاوزًا السعودية والعراق وايران مجتمعة.
لكن الخطر لا يكمن في حجم الاحتياطي فقط، بل في القرار السياسي الذي اتخذته كاراكاس منذ عام 2018، حين أعلنت صراحة نيتها التحرر من الدولار، وبدأت بيع نفطها باليوان الصيني، وقبول اليورو والروبل، وكل ما عدا العملة الأمريكية.
الأمر لم يتوقف عند هذا الحد؛ فقد سعت فنزويلا للانضمام إلى مجموعة “بريكس”، وبنت قنوات دفع مباشرة مع الصين خارج نظام “سويفت”، ما يعني عمليًا تهديدًا مباشرًا لأحد أهم أعصاب السيطرة المالية الغربية. وبكمية نفط قادرة على تمويل هذا التوجه لعقود، تحولت فنزويلا من دولة مأزومة اقتصاديًا إلى خطر استراتيجي على نظام البترودولار نفسه.
التاريخ، في هذا السياق، لا يخلو من الدروس. ففي عام 2000، أعلن صدام حسين بيع النفط العراقي باليورو، وكان الغزو بعد ثلاث سنوات.
وفي عام 2009، طرح معمر القذافي فكرة “الدينار الذهبي” لتجارة النفط الأفريقية، فكان التدخل العسكري في 2011 ونهاية المشروع مع نهاية الرجل بطريقة مأساوية مقصودة.
الدرس واحد: من يتحدى الدولار في سوق الطاقة، يدفع الثمن سياسيًا أو عسكريًا ونهايته التصفية.
واليوم، يأتي دور فنزويلا في لحظة عالمية أكثر حساسية. فروسيا تبيع نفطها بالروبل واليوان منذ حرب أوكرانيا، والسعودية تناقش علنًا التسويات باليوان، والصين تطور أنظمة دفع بديلة مثل CIPS، بينما تفتح مشاريع مثل mBridge الباب أمام تسويات مباشرة بين البنوك المركزية بالعملات المحلية.
كل ذلك يشير إلى أن البترودولار لم يعد مقدسًا ولا محصنًا وهو في طريقه الى الانتحار.
في هذا السياق، تبدو أي مغامرة عسكرية أو سياسية ضد فنزويلا محاولة أخيرة لتأجيل انهيار منظومة لم تعد قادرة على فرض نفسها بالاقتصاد وحده، فتلجأ إلى القوة الى حد الإفراط و الجنون.
والرسالة هنا لا تستهدف كاراكاس فقط، بل كل دول “الجنوب العالمي”: من يخرج عن طاعة الدولار، عليه أن يستعد للعقاب.
الخلاصة المؤلمة أن العملة التي تحتاج إلى القصف لإجبار الآخرين على استخدامها، هي عملة فقدت قوتها وبريقها . وقد لا تكون فنزويلا بداية هذا التحول، لكنها – على الأرجح – إحدى علاماته الأخيرة والأكثر وضوحًا.و سيشهد العالم المزيد من الاضطرابات في ظل هيمنة الدولار والقطب الواحد..

























