بقلم: الدكتور اسماعيل الجنابي
يُعزى تراجع حدة الاعتراض أو “غضّ الولايات المتحدة النظر” عن تسلّم شخصيات مرتبطة بالفصائل والمليشيات المسلحة مناصب سيادية وحقائب وزارية في العراق ، إلى استراتيجية أمريكية براغماتية سياسية تهدف إلى احتواء هذه الجماعات ودمجها سياسياً لضمان الاستقرار و الحفاظ على استقرار النظام السياسي الذي أسسته بعد عام 2003، وتجنب الصدام العسكري المباشر لاسيما بعد إتمام الانسحاب العسكري الأمريكي الرسمي من العراق في سبتمبر 2026.
ووفقاً لـ تقارير تحليلية ومراقبين سياسيين، تتلخص الدوافع الأساسية لهذا الموقف لعدة عوامل استراتيجية وأمنية:
- استراتيجية “الفطام السياسي” والإغراء بالمناصب
تعتمد واشنطن على فكرة تقديم إغراءات سياسية ومساحات نفوذ حكومي للفصائل التي تبدي مرونة في ترك السلاح والانخراط في مؤسسات الدولة. يهدف هذا الأسلوب إلى تحويل قادة الفصائل من “مقاتلين ميدانيين” إلى “رجال دولة” يخشون خسارة امتيازاتهم ومناصبهم السيادية، ما يفرض عليهم التزام التهدئة وعدم التصعيد ضد المصالح الدولية.
- شرعنة الفصائل عبر “الدمج” والقوانين الرسمية
بعد عام 2003، وبدلاً من تفكيك كافة الجماعات المسلحة، جرت عمليات “دمج” واسعة النطاق لعناصر وقادة فصائل بارزة (مثل فيلق بدر) داخل أجهزة الأمن، والوزارات السيادية، والمخابرات. لاحقاً، ومع صدور قانون الحشد الشعبي الذي جعل هذه الفصائل جزءاً رسمياً من منظومة الدفاع العراقية ، بات من الصعب قانونياً وسياسياً على واشنطن الاعتراض على صعود قياداتها سياسياً دون التدخل المباشر في السيادة العراقية.
- الحفاظ على استقرار العملية السياسية
تدرك واشنطن أن النظام السياسي في العراق يقوم على التوافق والمحاصصة. إقصاء القوى المدعومة من الفصائل (والتي تمتلك كتلًا برلمانية كبرى مثل الإطار التنسيقي) قد يؤدي إلى انهيار العملية السياسية برمتها، ودخول البلاد في حرب أهلية أو اضطرابات أمنية تعرّض المصالح الاستراتيجية الأمريكية وموظفيها للخطر.
- أولوية محاربة الإرهاب (مرحلة داعش)
خلال الحرب ضد تنظيم “داعش” عام 2014، التقت مصالح واشنطن مع هذه الفصائل مؤقتاً في قتال العدو المشترك. غضت أمريكا الطرف عن تنامي نفوذ قادة الفصائل واختراقهم لمؤسسات الدولة؛ لأن الأولوية الأمريكية القصوى آنذاك كانت دحر التنظيم ومنع سقوط بغداد
- سياسة “المكابح والقنوات الخلفية” بدلاً من المواجهة
تتبع واشنطن سياسة وضع “مكابح” غير معلنة؛ فهي تسمح بوجود هؤلاء القادة في مناصب سيادية طالما أن ذلك لا يمس مباشرة أمن قواتها أو المصالح الحيوية الحساسة كالنظام المصرفي ومبيعات النفط وتفضل الولايات المتحدة أحياناً وجود قادة يمتلكون سلطة فعلية على الأرض في مناصب رسمية ليكونوا بمثابة قنوات اتصال لضبط النفس ومنع التصعيد الإقليمي
- عجز الأدوات التنفيذية المباشرة
لا تملك الولايات المتحدة القدرة على إملاء التعيينات الداخلية في بغداد دون إحداث شرخ كبير مع الحكومة العراقية. لذلك، تلجأ أمريكا بدلاً من منعهم من اعتلاء المناصب إلى استخدام أدوات بديلة للضغط والتحجيم، مثل:
- فرض عقوبات اقتصادية من الخزانة الأمريكية على الشخصيات والكيانات المرتبطة بالفصائل.
- فرض قيود صارمة على حركة الدولار وإجراءات البنك المركزي العراقي لمنع تمويل تلك الجهات.
- الضغط المستمر على رئيس الوزراء لحصر السلاح بيد الدولة ومطالبة بغداد باتخاذ خطوات تفكيك حاسمة ضد الفصائل المتورطة بشن هجمات.
نفوذ ايراني أم فخ أمريكي
ينقسم خبراء التحليل الاستراتيجي في تغلغل قادة الفصائل في الوزارات السيادية داخل مفاصل الدولة العراقية ، بين من يعتبر هذا التغاضي الامريكي قد يمنح لإيران نفوذاً مباشراً وعميقاً داخل المؤسسات الحكومية العراقية، فيما يرى اخرون ان هذا الاسلوب هو بمثابة رهان بين واشنطن وحكومة بغداد هو فخ سياسي وشبكة قيود معقدة تقوم على القواعد التالية:
- الابتزاز المالي والرقابة على “الدولار“
تمتلك الولايات المتحدة الورقة الاقتصادية الأقوى وهي التحكم في تدفقات العملة الصعبة (الدولار) عبر البنك الفيدرالي الأمريكي إلى البنك المركزي العراقي ، وان أي وزارة سيادية يسيطر عليها وزير مدعوم من طهران ويحاول تسريب الأموال أو الالتفاف على العقوبات ضد إيران، ستواجه حظراً مالياً فورياً وعقوبات تشل الوزارة. وبالتالي، يصبح “رجل إيران” في الحكومة عاجزاً عن إدارة وزارته إذا لم يلتزم بالمعايير الدولية لشفافية الأموال.
- مقايضة السلاح بالنفوذ (تجريد القوة الميدانية)
الموافقة الأمريكية الضمنية على إشراك هذه الأطراف (مثل الموافقة على حقائب معينة لحلفاء الإطار التنسيقي) لم تكن مجانية، بل جاءت مشروطة بالتزام رئيس الوزراء بخطة تفكيك الأجنحة العسكرية للفصائل وحظر الطائرات المسيرة ودمج المقاتلين كأفراد في الأجهزة الرسمية ، ما يعني تحويل هذه الجماعات من “مليشيات مسلحة موازية للدولة” إلى “أحزاب سياسية برلمانية” يخضع قادتها للمساءلة القانونية والقضائية، ما يضعف مرونتها العسكرية التي تعتمد عليها طهران .
- نقل السيادة الأمنية للحكومة وليس للمليشيات
مع انتهاء مهمة التحالف الدولي في سبتمبر 2026، أعلن البنتاغون بوضوح أن الحكومة العراقية باتت الممثل الأول والاوحد عن حماية السيادة ومواجهة أي فصيل متمرد ، ما يضع المتنفذين داخل الحكومة في مواجهة مباشرة أمام الرأي العام العراقي؛ فإذا استغلت إيران وجودهم لشن هجمات أو زعزعة الاستقرار، ستتحمل الحكومة الرسمية (التي هم جزء منها) العواقب الاقتصادية والأمنية، وهو ما يرفضه المجتمع العراقي الذي يسعى للاستقرار بعد عقود من الحروب.
- تصدع النفوذ الإقليمي الإيراني و”براغماتية البقاء“
يمر “محور المقاومة” التابع لإيران بمرحلة ضعف ملحوظة إقليمياً وهذا التراجع جعل قادة الفصائل داخل العراق يميلون إلى “براغماتية البقاء”؛ حيث يفضلون الحفاظ على مكاسبهم السياسية والمالية داخل الدولة العراقية على المغامرة بالدخول في صدام عسكري مباشر من أجل الأجندة الإيرانية وهذا ماعكسته زيارات المسؤولين الإيرانيين إلى بغداد مؤخراً لحث حلفاءهم على تجنب المواجهة والقبول بالتسويات السياسية.
النتائج والتوقعات
نعتقد ان الولايات المتحدة لم تغض الطرف عنهم ضعفاً، بل تكتيك احتواء براغماتي قائم على نقل الصراع من الميدان العسكري إلى الحقل السياسي والمالي ، على اعتبار ان السماح لهم بالدخول إلى مؤسسات الدولة هو محاولة لـ”تأميم” هذه القيادات ومحاصرتها بمسؤوليات الحكم والقيود المالية، عوضاً عن تركها كقوى مسلحة متمردة خارج إطار القانون والرقابة الدولية ، وتحويل المليشيات إلى “رجال دولة” يخشون خسارة مناصبهم ومكاسبهم، وربط بقائهم بالالتزام بقواعد النظام المصرفي والمالي العالمي الذي تتحكم به واشنطن (التحكم بالدولار) لمنع تحويل الوزارات العسكرية لصالح إيران.
ان النجاح يعتمد على قدرة حكومة بغداد على فرض سلطتها القانونية؛ فأي محاولة للالتفاف الشكلي من قبل الفصائل الراديكالية ستواجه بخنق اقتصادي أمريكي قاسٍ في وقت يعاني فيه الاقتصاد العراقي من انكماش مالي حاد، ما يجعل استقرار الدولة مرهوناً بإنهاء وجود السلاح الموازي ، فيما تبقى مهلة يونيو 2027 الملاذ الاخير لجميع الاطراف.
























