بقلم: الدكتور اسماعيل الجنابي
تشكل الرواتب التقاعدية للرئاسات الثلاث والدرجات الخاصة، إلى جانب الامتيازات المالية الممنوحة لشرائح معينة مثل “محتجزي رفحاء”، واحدة من أكثر الملفات إثارة للجدل السياسي والشعبي في العراق منذ عام 2003 ومع تكرار الأزمات الاقتصادية التي تواجهها البلاد—وآخرها تذبذب أسعار الصرف والتضخم في الأسواق الموازية—يتصاعد الضغط الجماهيري للمطالبة بإلغاء هذه الرواتب الاستثنائية كخطوة أولى نحو تحقيق العدالة الاجتماعية وضبط الهدر في الموازنة العامة .
جذور الأزمة: فجوة مالية فلكية
لعقود مضت، حظيت الطبقة السياسية العليا في العراق بمكتسبات مالية ضخمة أُقرت عبر تشريعات خاصة. وعلى الرغم من أن إجمالي موازنة الرواتب والنفقات التشغيلية الحالية للمكاتب التنفيذية والتشريعية للرئاسات الثلاث تقترب من 6.46 تريليون دينار عراقي سنوياً ، إلا أن العبء الحقيقي يكمن في التراكم التاريخي للرواتب التقاعدية للمسؤولين السابقين ونواب الدورات التأسيسية الأولى.
فالمتقاعدون من المناصب السيادية العليا قبل عام 2015 لا يزال بعضهم يتقاضى مبالغ تصل إلى 60 مليون دينار عراقي شهرياً بناءً على القوانين النافذة وقت إحالتهم وبموجب قاعدة “عدم رجعية القوانين” يضاف إلى ذلك العبء السنوي لملف “رواتب الرفحاويين” الذي كلف الخزينة تريليونات الدنانير نتيجة لمنح امتيازات ورواتب متعددة لأفراد العائلة الواحدة بصفة تعويضية
خطوات خجولة وعقبات قانونية
لم تكن الحكومات المتعاقبة بمعزل عن المطالب الشعبية؛ حيث شهدت السنوات الماضية محاولات جدية للتقنين والتعديل بدلاً من الإلغاء الشامل الذي يصطدم دائماً بالتحصينات الدستورية والطعون لدى المحكمة الاتحادية العليا
أبرز هذه الخطوات تمثلت في تعديل قانون التقاعد الموحد رقم 9 لسنة 2014 (والتعديلات اللاحقة في 2019)، والتي ألغت الرواتب الفلكية التلقائية للنواب والوزراء الجدد، وربطت مستحقاتهم التقاعدية بالخدمة الوظيفية الفعلية في مؤسسات الدولة لتتراوح بين مليون و4 ملايين دينار كحد أقصى. كما نجحت الإجراءات الأخيرة في تقليم أظافر “قانون رفحاء” عبر منع الجمع بين راتبين وحصر المستحقات برب الأسرة المقيم داخل العراق فقط وضمن سقف محدد لمنع استنزاف العملة الصعبة عبر التحويلات الخارجية
الحلول الناجعة لإنهاء الهدر
يرى الخبراء والمراقبون للشأن الاقتصادي العراقي ، أن معالجة هذا الملف بطريقة جذرية وحاسمة تتطلب الانتقال من سياسة “الترقيع القانوني” إلى سياسة “الإصلاح الهيكلي الجسور”، وذلك عبر ثلاثة مسارات أساسية:
- إقرار قانون التقاعد الموحد بأثر رجعي: لا يمكن إرساء قواعد العدالة الاجتماعية بينما يستمر كبار مسؤولي الدورات السابقة في تسلم رواتب استثنائية ، لان تطبيق شروط الخدمة الفعلية على جميع من شغل منصباً سيادياً منذ عام 2003 وحتى الآن سيوفر تريليونات الدنانير سنوياً للخزينة العامة.
- التدقيق الرقمي الشامل لملف “تعدد الرواتب“: تفعيل أنظمة البطاقة البيومترية بشكل صارم لإنهاء ظاهرة “الفضائيين” والجمع بين أكثر من راتب تحت مسميات سياسية أو وظيفية، وهو ما يضمن ذهاب أموال الدعم لمستحقيها الفعليين من شبكة الحماية الاجتماعية
- تفكيك نفقات الحماية والامتيازات غير المنظورة: إن كلفة الرواتب التقاعدية للمسؤولين لا تقتصر على الراتب الاسمي فحسب، بل تمتد لتشمل مخصصات السكن، ونفقات أفواج الحراسة والسيارات المخصصة لهم ، إن دمج هذه الحمايات في الأجهزة الأمنية الرسمية وسحب العجلات الحكومية يمثل خطوة أساسية لترشيد الإنفاق.
أشكال وطبيعة الرواتب المزدوجة في العراق
يعد ملف “ازدواج الرواتب” (أو تعدد الرواتب والوظائف الوهمية المعروفة بـ “الفضائيين”) في العراق من أكبر قضايا الفساد المالي والهدر الهيكلي. تلتهم هذه الظاهرة تريليونات الدنانير سنوياً من الموازنة التشغيلية للدولة نتيجة تراكم القوانين الاستثنائية وغياب الأتمتة على مدى العقدين الماضيين وتتعدد صور تقاضي أكثر من راتب من خزينة الدولة والشخص المستفيد واحدة من أوجه الفساد والتحايل على خزينة المال العام ومن أبرزها:
- الجمع بين راتب وظيفي وراتب رعاية اجتماعية: لجوء آلاف الموظفين أو المتقاعدين للتحايل والحصول على شبكة الحماية الاجتماعية المخصصة للفقراء والعاطلين.
- الجمع بين راتب وظيفي والامتيازات السياسية: مثل تقاضي راتب من وزارة الحاضر والجمع بينه وبين امتيازات “محتجزي رفحاء” أو قوانين مؤسسات العدالة الانتقالية (قبل فرض القيود والتعديلات الأخيرة).
- الوظائف الوهمية (الفضائيون): تسجيل أسماء في دوائر أمنية أو مدنية وتسلم رواتبها كاملة من قبل أشخاص آخرين متنفذين.
- الجمع بين العمل الحكومي والتعاقد الخارجي المستتر: تقاضي رواتب من جهتين حكوميتين مختلفتين نتيجة غياب قاعدة بيانات موحدة للأسماء.
وتُشير إحصائيات وزارة العمل والشؤون الاجتماعية واللجان النيابية إلى رصد عشرات الآلاف من الحالات (تتراوح التقديرات بين 24 ألفاً إلى 400 ألف حالة في مختلف مفاصل الدولة والشرائح المستفيدة) ويقدر خبراء المال أن هذه الحالات تستنزف ما يقارب 20% من إجمالي موازنة الرواتب العامة للدولة.
الحلول الحكومية الحالية لإنهاء الأزمة
للخروج من هذه المعضلة وتوفير غطاء مالي لتعديل “سلم رواتب الموظفين المستحقين”، ينبغي على الحكومة والبرلمان حسم الملف بالآليات التالية:
- مشروع “قاعدة البيانات السيادية الموحدة“: اعلان مجلس الخدمة العامة الاتحادي عن التوجه لربط معلومات كافة الموظفين البالغ عددهم أكثر من 4.6 مليون موظف ببصمة العين والبيانات المالية لمنع أي تكرار للاسم وتوحيد الرواتب إلكترونياً.
- الرقم الوظيفي الموحد والبطاقة البيومترية: الزام جميع موظفي الدولة (بما فيها إقليم كردستان) بإصدار رقم وظيفي موحد يربط مباشرة مع البطاقة الوطنية الموحدة والبصمة البيومترية لمنع تشابه الأسماء الرباعية.
- حملات تقاطع البيانات الدورية: قيام وزارة العمل وهيئة التقاعد الوطنية بمطابقة رقمية دورية لأسماء المشمولين بالرعاية، الأمر الذي من شأنه إيقاف آلاف الرواتب المزدوجة واسترداد مليارات الدنانير المصروفة دون وجه حق.
- اصدار قوانين تشريعية صارمة: تفرض إلغاءً تاماً بأثر رجعي لجميع حالات التعدد، مع إلزام المخالفين بإعادة كافة الأموال التي تقاضوها بشكل مزدوج طوال السنوات الماضية تحت طائلة الملاحقة القانونية بتهمة اختلاس المال العام.
- تجفيف منابع هدر المال العام: الغاء الحلقات الادارية ذات المحسوبية وتقليل الحمايات الخاصة بالمسؤولين وايقاف المخصصات الممنوحة لهم والغاء جميع المسميات الارضائية (المستشارين).
فيما يبقى القرار الأكثر قوة وشجاعة يتمثل باسترداد المال العام المسروق من قبل المتنفذين سياسياً ووظيفياً دون استثناء ومهما تبلغ حدة تبعات هذا القرار، فأن ذلك كفيل بالاصلاح لبناء عراق خالي من الفاسدين ويطفو على انهار من البترول والمعادن.




























