بقلم: الدكتور اسماعيل الجنابي
في وقتٍ يترقب فيه المواطن العراقي بشغفٍ بزوغ فجر إصلاحي حقيقي ينتشله من واقع الأزمات المعيشية المتلاحقة، وتأخر الرواتب، وتآكل الخدمات الأساسية، تطلّ علينا المشهدية السياسية بقرارٍ يثير الكثير من الشجن والتساؤلات عن استحداث وزارات جديدة ليرتفع عدد الحقائب في كابينة رئيس الوزراء علي فالح الزيدي إلى 26 وزارة.
بين عشية وضحاها، يجد العراقيون أنفسهم أمام مشهدٍ يتكرر برداءٍ جديد؛ حيث تُصاغ العناوين البراقة مثل “التحول الرقمي”، و”استقلالية قطاع السياحة”، و”تمثيل الأقليات” كحقائق يُراد بها التطوير، لكنها في الوجدان الشعبي لا تعدو كونها غطاءً لـ “ترضيات سياسية” مدفوعة الثمن من قوت الشعب.
العناوين البراقة.. عِلمٌ لا ينفع في هيكلٍ يترهل
لا يمكن لأحدٍ عاقل أن ينكر أهمية “الاقتصاد الرقمي” أو “الحوكمة التكنولوجية” في عالم اليوم، ولا يُنكر أحدٌ أن العراق يمتلك كنزاً سياحياً وتاريخياً معطلاً يستحق الالتفات؛ فالشعارات في ظاهرها تحمل مبررات “الضرورة” والعصرنة. ولكن، هل يحتاج التحول الرقمي إلى مبنى وزاري جديد، وحمايات، ومستشارين، ودرجات خاصة لتفعيل بريد إلكتروني أو أتمتة مؤسسة؟ أم أن الأمر يحتاج إلى إرادة سياسية حقيقية تنهي الفساد المستشري في الدوائر القائمة بالفعل؟
إن تجزئة الوزارات وفصلها (كفصل السياحة عن الثقافة) يفضح عجز الماكينة السياسية عن إدارة الملفات بكفاءة، فتلجأ إلى “تفريخ” المناصب كحل أسهل من إعادة هيكلة المؤسسات الفائضة بالموظفين والبيروقراطية ، بينما تقف طوابير الخريجين والشباب على أرصفة البطالة، وتبحث العوائل ذات الدخل المحدود عن أملٍ في استقرار أسعار المواد الأساسية، تأتي هذه التفاهمات السياسية لتفرض على ميزانية الدولة المثقلة بالديون نفقات تشغيلية هائلة.
الوزارة الجديدة في العراق ليست مجرد “وزير” يجلس خلف مكتب؛ بل هي حلقة مفرغة جديدة من:
- النفقات السيادية والامتيازات: رواتب تقاعدية مضافة، مخصصات سكن، وأساطيل سيارات وحمايات.
- جيوش المستشارين والوكلاء: مناصب تُوزّع كغنائم انتخابية وحزبية لإرضاء كتلٍ بعينها، لاسيما تلك التي تبحث عن موطئ قدم جديد في السلطة التنفيذية.
- تداخل الصلاحيات: خلق صراعات إدارية جديدة بين الوزارات المستحدثة والقديمة (كالاتصالات والتخطيط والثقافة)، ما يعطل المعاملات بدلاً من تسهيلها.
أين يكمن الحل؟
إن الإرادة الحقيقية لبناء دولة عصرية لا تبدأ بزيادة عدد المقاعد حول طاولة مجلس الوزراء، بل بترشيق الدولة ، وتعزيز الرقابة، وتفعيل المحاسبة. يحتاج العراق اليوم إلى موازنات استثمارية تُبنى بها المدارس، وتُعبّد بها الطرق، وتُشغّل بها المصانع المتوقفة، وليس إلى مسميات وظيفية عليا تزيد من تضخم الجسد الإداري المنهك أصلاً.
ضرورة أم استرضاء؟!
إن “الضرورة” التي تتحدث عنها القوى السياسية تظل عاجزة عن إقناع الشارع، ما دامت النتائج على الأرض غائبة، وما دام المواطن هو من يدفع الفاتورة من أمنه المعيشي ، لذا إن إرضاء الكتل والأحزاب على حساب لقمة عيش المواطن ومستقبل البلاد هو خيار يحمل في طياته بذور أزمات أعمق، فالدول لا تُبنى بـ “المحاصصة المقنّعة”، بل بـ “المواطنة المنتجة”.
في ضوء التحليل الموضوعي لواقع المشهد العراقي، يمكن القول إننا لسنا أمام خيار مطلق (إما ضرورة أو استرضاء)، بل نحن أمام خطوة “استرضائية” بامتياز، تم غمرها وتغليفها بمبررات “الضرورة العصرية” لتسويقها شعبياً.
لكي نفكك هذا التداخل ونصل إلى إجابة دقيقة، يجب أن ننظر إلى شقّي الميزان:
- لماذا المبررات التكنولوجية والسياحية “حبر على ورق”؟ (وهم الضرورة)
العالم كله يتجه نحو التحول الرقمي وحوكمة البيانات، وفصل قطاع السياحة لاستثماره اقتصادياً هو إجراء تتبعه كبرى الدول. ولكن في الحالة العراقية، تفتقد هذه “الضرورة” إلى مقومات النجاح للأسباب التالية:
- الأدوات موجودة بالفعل: إن رقمنة الدولة ومكافحة الفساد لا تحتاج إلى “وزارة” جديدة بامتيازات ومبانٍ مضافة، بل تحتاج إلى تفعيل الهيئات القائمة ، مثل (الأمانة العامة لمجلس الوزراء، وزارة الاتصالات، وهيئة الإعلام والاتصالات).
- صناعة البيروقراطية: استحداث وزارة جديدة يعني الدخول في نفق إداري يستغرق سنوات لتحديد الصلاحيات، ونقل الموظفين، ورسم الهياكل التنظيمية، ما يؤدي إلى “تنازع الصلاحيات” مع الوزارات القديمة ويعطل العمل بدلاً من تسريعه.
- لماذا “الاسترضاء” هو المحرك الفعلي؟ (الحقيقة السياسية)
التوقيت والسياق السياسي الذي ولدت فيه هذه الوزارات يثبت أن الدافع الأساسي هو إيجاد مخارج لـ “عقدة المحاصصة”، ويتضح ذلك من خلال:
- توزيع الغنائم وتوسيع الطاولة: جاءت هذه الحقائب (مثل وزارة الاقتصاد الرقمي، وزارة السياحة، ووزارة الدولة لشؤون الأقليات) لاستيعاب كتل سياسية وفصائل محددة، لاسيما تلك التي سعت لتثبيت أقدامها في السلطة التنفيذية بعد تفاهمات سياسية وأمنية أخيرة.
- إرضاء المكونات: استحداث وزارة دولة للأقليات (للتركمان) هو خطوة تقليدية في العُرف السياسي العراقي لترضية المكونات جغرافياً وقومياً، وليس لتقديم حلول حقيقية لمشاكل تلك المناطق.
- إغفال الأزمة المالية: إن الإصرار على زيادة النفقات التشغيلية (رواتب وزراء، وكلاء، مستشارين، حمايات، ومقار) في وقت يعاني فيه البلد من أزمات خانقة في السيولة وتأخر الرواتب، يؤكد أن الأولوية السياسية هي إرضاء الشركاء في الحكم على حساب الاستقرار المالي للدولة.
الخلاصة:
تاريخ الإدارة في العراق يثبت أن “الوزارات المستحدثة” أو “وزارات الدولة” غالباً ما تنتهي بأن تكون دوائر بلا صلاحيات حقيقية، تُستهلك ميزانيتها في الرواتب والنثريات دون أثر ملموس على حياة المواطن.
لذلك، فإن الخطوة هي استرضاء سياسي مغلف بضرورة تكنولوجية تفتقر إلى الآليات التنفيذية الحقيقية.

























