بقلم: الدكتور اسماعيل الجنابي
منذ خمسة عشر عاماً، وسوريا تعجن خبزها بالدموع، وتوقد نارها بضلوع أبنائها. خمسة عشر عاماً، والزنازين المظلمة تبتلع زهور الياسمين، والمقابر الجماعية تواري الحكايات التي لم تكتمل. وتحت سوط الطغيان، سُحقت عظام، وهُجّرت مدن، وبكت أمهاتٌ حتى جفّت مآقيها، وتساءل الأطفال في ليل اللجوء الطويل: “متى نعود؟”.
اليوم، يدور التاريخ دورته العادلة، ويهتز قوس العدالة ليطلق سهمه الأخير. صدور أحكام القصاص والإعدام بحق جلادي الشام ليست مجرد حبر على ورق محكمة في دمشق؛ إنها زفرة حق مخنوقة انطلقت أخيراً من صدور ملايين المقهورين. إنها صرخة أول طفل حُفرت أظافره في زنازين درعا، وأنين آخر معتقل قضى تحت السياط ولم يجد كفناً سوى دعاء أمه في جوف الليل.
لكنها عدالة بطعم الرماد. فالقصاص اليوم لا يطرق أبواباً مشرعة بالفرح، بل يطحن رحاه فوق جماجم الأبناء، وفوق ركام البيوت التي أصبحت شواهد قبور. هو قصاصٌ مرّ، يدرك فيه السوريون أن القاتل وإن هرب بجلده إلى أقصى الأرض، فإن لعنة الدماء ستلاحقه، وأن ميزان الأرض وإن تأخر، فإن ميزان السماء قد قضى أمره.
لكل أمٍّ ما زالت تحتفظ بمفتاح بيتها العتيق وبقميص ابنها الغائب، ولكل أبٍ انحنى ظهره وهو يبحث عن اسم ولده في قوائم المفقودين: إن دماءهم لم تذهب سدى. لقد كانت تلك الجماجم الطاهرة هي الثمن الباهظ، هي الحجر الأساس الذي تكسرت عليه غطرسة الطاغية، ومن رحم ذلك الألم الأسطوري، يولد اليوم فجرٌ سوريّ جديد، فجرٌ يغسله القصاص العادل، ويمسح فيه الأحياء دموعهم، لينبت الياسمين مجدداً من بين شقوق الذاكرة الجريحة.
في زوايا السجون المظلمة، حيث يمتزج العفن برائحة الدماء الجافة، لم يكن المعتقلون السوريون مجرد أرقام في قوائم الجلاد، بل كانوا حكايات من لحم ودم، وأحلاماً صُلبت على جدران الزنازين الضيقة. في تلك المساحات التي تفتقر للهواء والضوء، تحول القهر إلى مادة صلبة، وطُحنت أعمار جيل كامل على رحى التعذيب الممنهج، في واحدة من أبشع فصول أدب السجون الإنساني المعاصر.
خلف الأبواب الحديدية الصدئة، كان الوقت عدواً شرساً في حكايا الناجون وكيف كانت الأيام تتشابه، وكيف تحولت الجدران إلى دفاتر غير مكتوبة، حفر عليها السجناء بأظافرهم وأسنانهم أسماءهم، وتواريخ اعتقالهم ووصاياهم الأخيرة؛ خوفاً من أن يبتلعهم النسيان. كانت “المهامع” والزنازين الانفرادية شاهداً على صلوات خافتة، وعلى صرخات أنين تموت في صدور أصحابها قبل أن تصل إلى السجان، حيث كان الموت هناك أمنية بعيدة المنال، تُشترى بالدعاء هرباً من سياط تنبش اللحم، وصعقات كهربائية تطفئ بريق العيون.
إن أدب السجون السوري ليس مجرد نصوص أدبية، بل هو وثيقة دامية كُتبت بالدموع والعرق. هو قصة ذاك المعتقل الذي كان يتقاسم كسرة الخبز العفنة مع رفيقه المحتضر، وهو حكاية المعلم الذي كان يهمس بدرس التاريخ لشباب الزنزانة لكي لا تموت عقولهم، وهو ألم الأب الذي قضى سنواته يتخيل ملامح طفله الذي تركه رضيعاً. في تلك العتمة، كان الأمل خطيئة يُعاقب عليها السجان، وكان تذكّر رائحة الياسمين في دمشق أو عبق الزيتون في إدلب بمثابة طوق النجاة الوحيد الذي يحمي الأرواح من الجنون.
اليوم، ومع صدور أحكام القصاص بحق الطاغية وأعوانه، تلتفت الذاكرة السورية إلى تلك الزنازين التي ما زالت جدرانها تحتفظ بآهات المعذبين. إن القصاص العادل هو الرد المتأخر على تلك الليالي الطويلة، هو الاعتراف بكرامة من قُتلوا بصمت ولم يجدوا من يشيّع جثامينهم. ورغم أن الأحكام القانونية لا تعيد الأرواح التي زُهقت، ولا تمحو ندوب الأجساد التي شُوّهت، إلا أنها تظل الشاهد التاريخي على أن عتمة السجن، مهما طالت، لا بد أن ينبت من رحمها فجر الحرية، وأن دماء الشهداء خلف القضبان كانت الوقود العابر نحو كسر قيد الطغيان.
“إنَّ سياطَ الطغاةِ قد تتركُ ندوباً على الأجسادِ، لكنَّها تُحفَرُ في ذاكرةِ الأوطانِ كأقلامٍ تكتبُ صكَّ الزوالِ للمستبدِّ، وصكَّ الخلودِ للشُّهداءِ ولكي لا يطوي النسيان ما حفرته السياط ، لن تكون أحكام القصاص مجرد إغلاق لملفات قضائية، بل هي العهد الأبدي بأن تلك العتمة لن تمر دون حساب. إن حكايات المعتقلين، وآهاتهم المحفورة على جدران الزنازين، ستبقى الضمير الحي لسوريا الجديدة. لن يطوي النسيان ملامح أولئك الذين دفعوا أعمارهم ثمناً للحرية؛ فمن عمق زنازينهم المظلمة صُنع الضوء، ومن رحى عذابهم وُلدت العدالة، ستبقى تضحياتهم الركيزة الأساسية لبلدٍ يرفض أن ينسى جلاديه، ويصر على أن يولد مجدداً من بين شقوق الألم، حراً، كريماً، ومعافى.






















