بقلم: ذكرى البياتي
ADVERTISEMENT
هل أخبرتكم من قبل أن الكتابة قد تكون موجعة؟
وأن وجعها قد يكون قاتلًا، خاصة حين يكون ما تخطّه أقلامنا قادرًا على إثارة الحنين إلى أيام مضت؛ سوداء كانت أم بيضاء.
حين تكتب، ستفهم كيف يمكن للحنين أن يعيدك إلى سجنك القديم، إلى ذكريات ظننت أنك تجاوزتها، فإذا بها ما تزال تسكن في مكان ما من روحك.
وفي نفس كلٍّ منا ذكرى لعلاقة قديمة، وأحلام من زمن الصِّبا، ولحظات كانت يومًا سعيدة. وفي خاطرة كلّ منا وجوه لا تستطيع تضاريس الزمن أن تمحوها، وأمكنة بقيت عالقة في الذاكرة، وساعات انتظار استلبنا فيها وعودنا القديمة، ونحن نرسم على جدران العمر أحلامًا لم نكن نعرف أنها ستغادرنا ذات يوم.
الآن فقط، أعيد استحضار ذلك الشغف، وكل ذلك الحنين والحب الذي امتلكناه ذات يوم، بعد أن مضت سنوات العمر، وأصابتنا من الجراحات والنزف ما يكفي لأن يجعل القلب أكثر حذرًا، والذاكرة أكثر وجعًا.
نعيش عودة المحارب، بثياب الشوق والحنين الممزقة البالية، وبوجهٍ أثقلته مرارات الفقد.
وحين نعود إلى البدايات، لا نذكر أحدًا…
فكل ما كنا نتمتم به عند مصافحتهم لنا لم يكن سوى همهمات مبهمة، وكلمات ضاعت بين ارتباك اللقاء وثقل ما حملته السنوات.
تنحدر الكلمات إلى منحدر عميق في أرواحنا، جاهدةً أن تنال قسطًا من الراحة، لكنها لا تقوى على الخروج؛ فارتجاج عاصفة الحنين ما زال ينهكها، واحتباس الرهق المشدوه لا يترك لها منفذًا للشفاء.
هل لي أن أعرف كيف أخرج من ذاكرتي سريعًا، إلى غرفتي المغلقة، المغبّرة بالشوق بعد طول غياب؟
أفتح نافذتها الشرقية لأجدد بعضًا من هواء الشمس النقي، كما كنت أفعل في عادتي القديمة…
لكن، أين ذهبت نافذة منزلكم؟ وأين اختفت الشرفة الخلفية؟
فهي لم تعد تطل هناك…
لطالما التقت عيناي بعينيكِ من خلالها مرارًا، وكأن تلك النافذة كانت موعدًا صامتًا بيننا، لا يحتاج إلى الكلام.
ولم تعد الأزهار في فناء منزلكم الخلفي كما كانت؛ ضاع أريجها، وضاعت ألوانها، وأصبحت باهتة، لا تستدعي شعوري وإلهام كتاباتي كما كانت تفعل.
لماذا تغادر الأشياء والذكريات الجميلة معكِ دون استئذان؟
ها أنا أكتشف أنني عدت إلى الفراغ…
بلا ماضٍ.
ها أنا، يا صديقي، أغرق في بحر من الذكريات، ويتلاطمني الحزن من كل الجهات.
أجراس الكنيسة، والمدرسة التي كنتِ فيها، وأناشيد الصباح، وهتافات بائعي اللبن، وطيور الجنة…
كلها لم تعد هنا.
كأن المدينة نزعت عن نفسها ملامحها القديمة، وتركتني وحدي أبحث عنها في الذاكرة.
ها أنا أفتقدكِ بشغف…
أفتقد ضحكتكِ، وابتسامتكِ، وأماني صباحاتكِ المشرعة على الفرح.
أصبحت أستجدي كلماتنا وقصائدنا الرائعة، وأغنياتنا التي كنا نرددها معًا، لعلها تبقى معي قليلًا من الوقت…
لكنها تأبى.
ثم ترفض.
وتمضي في رحيلها الأخير، مرددةً سؤالًا واحدًا:
أين أنتِ؟
ضاع الأمس منا يا صديقي، وانطوت في القلب حسرة حضورٍ كان ذات يوم يملأ شوارع القاهرة…
وما بقي لي الآن سوى ذاكرة تفتح أبوابها كلما ظننت أنني أغلقتها، وتأخذني إلى هناك…
إلى حيث كنتِ،
وحيث كانت الأشياء أجمل،
وحيث كان للقاء معنى، وللشوارع ذاكرة، وللصباح صوت، وللقلب متّسع للحلم.
ربما لا يوجعنا الرحيل بقدر ما يوجعنا أن نعود إلى المكان نفسه، فلا نجد الذين جعلوا للمكان معنى.
وهكذا فهمت أخيرًا…
أن بعض الأماكن لا تغادرنا،
لكنها تصبح أكثر وحشة حين يغادرها من أحببنا.
ADVERTISEMENT

























