بقلم: ا. د عبدالرزاق محمد الدليمي
لم يكن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يوماً سياسياً تقليدياً يخضع لقواعد الدبلوماسية الرصينة… بل لطالما عُرفت شخصيته السياسية بـالزئبقية حيث يصعب الإمساك بموقف ثابت له أو التنبؤ بـخطوته المقبلة. هذه السياسة السائلة تشكل جوهر عقيدته القائمة على المباغتة وإبقاء الجميع في حالة ترقب مستمر.
تتجلى زئبقية ترامب في تقلباته الحادة تجاه القضايا الدولية والشركاء على حد سواء. فبين ليلة وضحاها يمكن أن يتحول من التهديد بالنار والغضب ضد خصومه كما فعل مع كوريا الشمالية وإيران إلى إبداء الرغبة في التفاوض المباشر وعقد الصفقات. وبذات الطريقة يوجه انتقادات لاذعة لحلفاء بلاده التقليديين في حلف شمال الأطلسي (الناتو) مطالباً إياهم بدفع ثمن الحماية بينما يظهر مرونة براغماتية مع قادة دول منافسة.
هذه المواقف ليست مجرد ارتجال عشوائي بل هي استراتيجية تفاوضية مستمدة من خلفيته كرجل أعمال حيث يطبق فلسفة (فن الصفقة) في عالم السياسة. يرى ترامب أن عدم التنبؤ بمواقفه يمنحه قوة تفاوضية ويحرم الطرف الآخر من بناء استراتيجية مضادة. بالنسبة له … المصلحة الاقتصادية المباشرة وشعار ((أمريكا أولاً)) ربما هما البوصلة الوحيدة !! مما يجعل الأيديولوجيات والمواقف المبدئية مجرد أدوات مرنة قابلة للتغيير حسب الظروف.
لذلك تمثل مواقف ترامب الزئبقية تحدياً كبيراً للنظام الدولي القائم على التحالفات والالتزامات الثابتة. وبينما يرى فيها منتقدوه فوضى تهدد الاستقرار العالمي يجد فيها مؤيدوه براغماتية جريئة تكسر جمود السياسة التقليدية لتحقيق مكاسب سريعة.



























