بقلم: الدكتور اسماعيل الجنابي
تتشابه المواجهة بين أمريكا وإيران في كثير من ملامحها مع صراع “توم وجيري”؛ فهي تتسم بالكر والفر، وتفادي الضربات المباشرة الكبرى، والاعتماد على المناورات السياسية، والحرص المتبادل على عدم الوصول إلى نقطة الانهيار الشامل رغم التلويح الدائم بالقوة.
أوجه التشابه في الصراع
- الكر والفر والتهديد المتبادل: استمرار التلويح بالحرب واستنزاف بنك الأهداف دون حسم نهائي.
- لعبة القط والفار الدبلوماسية: التنقل المستمر بين طاولات التفاوض وكسر الحلقات عبر الأخذ والرد.
- غياب الثقة وضبط الحافة: حذر الطرفين من تجاوز الخطوط الحمراء التي قد تؤدي إلى مواجهة مفتوحة غير مضمونة العواقب.
وبات جليلاً ان اطرافاً دولية ترغب باستمرار هذا الصراع بصيغته الحالية لخدمة مصالحها بغية استنزاف قدرات واشنطن وطهران ومحاصرة نفوذهما.
المستفيدون من استنزاف الطرفين
- روسيا والصين: إشغال القوة العسكرية والاقتصادية الأمريكية في الشرق الأوسط يقلل ضغوطها بملفات أوكرانيا وتايوان.
- إضعاف الخصوم: غرق إيران في العقوبات والأزمات يمنعها من التحول إلى قوة اقتصادية كبرى ومستقلة إقليمياً.
- سوق السلاح والطاقة: بقاء التوتر يضمن استمرار صفقات التسليح الضخمة بالمنطقة ويحافظ على استقرار أسواق النفط.
- القوى الإقليمية المنافسة: كبح النفوذ الإيراني دون الحاجة لخوض حروب مباشرة ومكلفة تلوح في الأفق.
يؤدي استنزاف القوة الأمريكية والإيرانية إلى إعادة تشكيل خريطة النفوذ في الشرق الأوسط، حيث تراجعت الهيمنة المطلقة للقطب الواحد وظهرت مساحات أوسع للمناورة أمام القوى المحلية والدولية.
أبرز التأثيرات على توازن القوى
- صعود الأقطاب الإقليمية: استغلت دول مثل السعودية، تركيا، والإمارات هذا الانشغال لتعزيز استقلاليتها السياسية، وبناء تحالفات مرنة بعيداً عن الإملاءات الأمريكية الكاملة.
- تمدد النفوذ الروسي والصيني: ملأت موسكو وبكين الفراغ عبر شراكات اقتصادية وعسكرية، مثل الوساطة الصينية السابقة بين الرياض وطهران، وتعميق التحالف العسكري الروسي الإيراني.
- تغيير استراتيجية الفصائل: دفع الاستنزاف الاقتصادي والعسكري إيران إلى تعديل طرق دعم “محور المقاومة”، ما جعل التحركات الإقليمية أكثر تعقيداً واعتماداً على الحرب السيبرانية والمُسيّرات.
- تراجع موثوقية المظلة الأمريكية: تولد شعور لدى حلفاء واشنطن بأنها غير مستعدة لخوض حروب مباشرة لحمايتهم، مما دفعهم لتصفير الأزمات والاعتماد على الدبلوماسية الذاتية وتنويع الشركاء.
- استنزاف الموارد وضغط الغاز والنفط: تحول الصراع إلى استنزاف لممرات التجارة العالمية (كالبحر الأحمر ومضيق هرمز)، ما يجعل أمن الطاقة العالمي رهينة لتوازنات هذا الصراع المستمر.
يتجه مستقبل التحالفات العربية نحو نموذج “الواقعية السياسية” والبراغماتية، حيث استبدلت الدول العربية التبعية المطلقة لقطب واحد بشبكة تحالفات متعددة الأطراف لحماية مصالحها الوطنية.
ملامح مستقبل التحالفات العربية
- تنويع الشركاء الدوليين: تعميق العلاقات العسكرية والاقتصادية مع الصين وروسيا كبديل استراتيجي متوازن، خاصة في مجالات التكنولوجيا والطاقة البديلة والبنية التحتية.
- تصفير الأزمات الإقليمية: تفضيل الحلول الدبلوماسية والمصالحات المباشرة (مثل العلاقات السعودية الإيرانية والمصرية التركية) لضمان الاستقرار الاقتصادي الداخلي ومنع التصعيد العسكري.
- الاعتماد على الأمن الذاتي: زيادة الاستثمار في التصنيع العسكري المحلي وتشكيل تحالفات أمنية دفاعية مرنة (ثنائية أو مصغرة) لحماية ممرات التجارة وأمن الحدود دون انتظار الضمانات الأمريكية.
- التحالفات الاقتصادية العابرة للقارات: الانضمام إلى تكتلات عالمية جديدة مثل مجموعة “بريكس” وتعزيز الشراكات عبر ممرات التجارة الدولية لربط الشرق الأوسط بآسيا وأفريقيا.
- قيادة عربية جماعية للملفات الساخنة : تولي قوى إقليمية رئيسية (مثل السعودية، مصر، والإمارات) زمام المبادرة في إدارة أزمات المنطقة (كالملف السوداني، السوري، والليبي) بشكل مستقل عن الرؤية الغربية.
يتجه مستقبل العلاقات العسكرية العربية-الأمريكية نحو نموذج “الشراكة النفعية المشروطة” والتحول من التبعية الأمنية المطلقة إلى صيغة تعاون تجاري وتقني، مدفوعاً برغبة الدول العربية في تعزيز استقلاليتها الدفاعية وتراجع رغبة واشنطن في خوض حروب مباشرة في المنطقة.
ملامح العلاقات العسكرية المستقبلية
- تراجع “شيك الأمن” المفتوح: تدرك الدول العربية أن المظلة الأمنية الأمريكية لم تعد مضمونة بشكل مطلق، ما يدفعها لعدم رهن أمنها القومي بالسياسات المتغيرة للإدارات الأمريكية المتعاقبة.
- تنويع مصادر التسليح: حيث لم تعد واشنطن المورد الحصري، حيث تتوسع الدول العربية في استيراد الأنظمة الدفاعية، والصواريخ، والطائرات المسيرة من الصين، وروسيا، وفرنسا، وكوريا الجنوبية، لتفادي الشروط السياسية الأمريكية.
- التركيز على توطين الصناعات: تصر الدول العربية (خاصة الخليجية) في صفقاتها مع واشنطن على نقل التكنولوجيا والتصنيع المحلي لأجزاء من الأسلحة، بدلاً من مجرد شراء معدات جاهزة، لبناء قاعدة دفاعية ذاتية.
- التحول نحو الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي: يتركز التعاون المستقبلي على مجالات الدفاع الجوي المتقدم، مكافحة الطائرات المسيرة، الأمن السيبراني، ومشاركة المعلومات الاستخباراتية، وهي المجالات التي ما زالت تتفوق فيها واشنطن.
- المناورات المشتركة كأداة توازن: الحفاظ على التدريبات العسكرية المشتركة (مثل مناورات الأسد التأهب أو النجم الساطع) ليس كتحالف قتالي، بل كأداة سياسية وعسكرية لإبقاء قنوات الاتصال مفتوحة والحفاظ على الجاهزية.
النتائج والتوقعات
من المتوقع ان تنحصر نتائج مستقبل الصراع الأمريكي الإيراني وفق ما يعرف بمصطلح لعبة توم وجيري المستدام الذي يبقي استمرار الوضع الحالي القائم على الضربات المتبادلة المحدودة، وحرب الوكلاء والسيبراني، مع بقاء قنوات الاتصال الخلفية مفتوحة لمنع الانزلاق إلى مواجهة كبرى والدخول في صفقات براغماتية كبرى (تسوية باردة) لحين الوصول إلى اتفاق مرحلي جديد يضمن تحجيم البرنامج النووي الإيراني وتخفيف العقوبات الاقتصادية، والاعتراف بالنفوذ الإيراني الإقليمي ضمن حدود تضمن أمن ممرات الطاقة وحلفاء واشنطن لتجنب الحرب الشاملة مع الحفاظ على أدوات الضغط المتبادلة ، مع الأخذ بنظر الاعتبار استغلال الصين وروسيا لنتائج هذا الصراع لترسيخ أقدامهما كبدائل موثوقة في الشرق الأوسط ، قد يفضي الى تسريع عسكرة المنطقةو استمرار سباق التسلح الإقليمي، والتركيز على تكنولوجيا الصواريخ، والمُسيّرات، والأنظمة الدفاعية الذاتية وقد يسهم هذا الاجراء الى استقلال القرار العربي ما يدفعها اضطرارياً إلى قيادة ترتيبات أمنية واقتصادية مستقلة لحماية مصالحها بمعزل عن نتائج الصراع.

























