بقلم: الدكتور اسماعيل الجنابي
دأبت السياسة الايرانية منذ دخولها في الملف العراقي أبان الاحتلال الأمريكي عام 2003 وفق الأتفاق المشترك بين واشنطن ولندن وطهران ، ان يكون تعاملها مع المحتل الغربي على اساس المصلحة العليا بغض النظر عما سيلحقه من اذى على الشعب العراقي ولعل كواليس الزيارة السرية الخاطفة التي أجراها قائد فيلق القدس الإيراني إسماعيل قاآني إلى بغداد في أغسطس 2026، هي لإدارة ملف مهلة نزع سلاح الفصائل ومناقشة ضمانات عبور النفط العراقي عبر مضيق هرمز وجاءت هذه الزيارة غير المعلنة على رأس وفد عسكري وأمني رفيع المستوى بالتزامن مع اقتراب المهلة الحكومية النهائية لحصر السلاح بيد الدولة والمحددة في 30 سبتمبر ولقاءه بقيادات عسكرية وسياسية منفصلة ومكثفة من بينها رئيس منظمة بدر هادي العامري وقادة الحشد الشعبي والفصائل المسلحة الولائية لابلاغهم برفض طهران القاطع لتسليم ترسانتها العسكرية في المرحلة الحالية، معتبراً أن الضغوط الحكومية الحالية تستند إلى “إملاءات أميركية” وتجنب الصدام الداخلي ، حيث حذر الفصائل بشدة من الانجرار إلى مواجهة مسلحة أو أي احتكاك مع القوات الأمنية الحكومية إذا حاولت الأخيرة فرض قرارها بالقوة، تفادياً لأزمة داخلية يصعب ضبطها وتوجيه قادة الفصائل باستخدام نفوذهم السياسي داخل البرلمان والحكومة للوصول إلى تسوية أو صيغة تؤجل تسليم السلاح، بدلاً من المواجهة الميدانية بغية كسب عامل الوقت.
الملف الاقتصادي وأزمة الطاقة
لم تقتصر كواليس الزيارة على الشق الأمني ، بل امتدت لتشمل تفاهمات اقتصادية حرجة وسط أزمة شح الإيرادات وضغوط رواتب موظفي القطاع العام في العراق وبحث طلب العراق موافقة إيران لضمان سلامة مرور ناقلات النفط العراقية عبر مضيق هرمز دون عوائق ، حيث تلعب طهران بورقة المقايضة مع بغداد بهدف تحصين نفوذ فصائلها وحماية ترسانتها العسكرية من التفكيك الكامل ، بالمقابل تتعامل حكومة الزيدي مع المطالب والضغوط الإيرانية عبر سياسة حذرة توازن بين التزاماتها السياسية الداخلية والضغوط الدولية الشديدة، لا سيما بعد زيارته الأخيرة إلى واشنطن وتتوزع ملامح تعامل الحكومة مع هذا الملف المعقد على النحو التالي:
- ملف نزع السلاح وحصر السلاح بيد الدولة
- التمسك بالسيادة الإعلامية والسياسية: على اعتباره شأن سيادي عراقي خالص لا يمكن نقاشه أو حسمه في عواصم أخرى، رافضة الخضوع العلني للإملاءات الإيرانية.
- المضي في مهلة 30 سبتمبر: تبدي الحكومة التزاماً معلناً بإنهاء المظاهر المسلحة غير القانونية بحلول نهاية سبتمبر، لربط هذا الإنجاز بملف إنهاء الوجود العسكري الأمريكي في البلاد.
- استغلال الانقسام البيني للفصائل : تسعى الحكومة إلى تعميق استيعاب المجموعات التي أبدت مرونة للاندماج (مثل سرايا السلام، وعصائب أهل الحق) لعزل وتطويق الفصائل الأكثر تشدداً والموالية لطهران كـ “كتائب حزب الله” و”النجباء”.
- تجنب الصدام العسكري المباشر: رغم تمديد الضغوط، يميل الزيدي إلى تفادي الصدام المسلح المباشر في الشارع، والتركيز على التسويات السياسية وتجفيف المنابع الاقتصادية للمليشيات المتمردة بدعم أمريكي وخليجي.
- ملف الطاقة وضمانات مضيق هرمز
- الفصل بين الأمن والاقتصاد: زار الزيدي طهران على رأس وفد رفيع لبحث ملفات الغاز، التجارة، والديون المستحقة، محاولاً إيجاد توليفة تضمن انسيابية تصدير النفط العراقي عبر مضيق هرمز دون ربطها المباشر بتقديم تنازلات في ملف السلاح.
- التخادم مع الاتفاقات الإقليمية: تستند الحكومة إلى التفاهمات الإيرانية-الأمريكية السابقة لضمان حرية الملاحة، وتتعامل مع التهديدات الإيرانية في هرمز كأوراق تفاوضية تسعى لتفكيكها بالتعاون مع الشركاء الإقليميين (مثل السعودية والخليج) لحماية إيرادات العراق النفطية.
مستقبل حكومة الزيدي
يواجه مستقبل حكومة رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي تحدياً مصيرياً يضعه بين مطرقة الضغوط الإيرانية وسندان الشروط الأمريكية الصارمة وتتمحور هذه التجاذبات حول معادلة “السلاح مقابل الاقتصاد والانسحاب العسكري”، وهو ما يرسم ثلاثة سيناريوهات محتملة لمستقبل حكومته الفتية (المُشكلة في مايو 2026):
أولاً: أوراق الضغط المتبادلة (الوضع الراهن)
الشروط الأمريكية (إدارة ترامب): تقدم واشنطن دعماً سياسياً كبيراً للزيدي (بدأ باتصال مباشر من الرئيس دونالد ترامب ودعوة لزيارة البيت الأبيض في يوليو 2026) التي تشترط الإدارة الأمريكية:
- حظر الفصائل المسلحة الموالية لطهران وتفكيك شبكاتها الاقتصادية.
- منع تهريب وتدفق العملة الصعبة (الدولار) إلى إيران.
- حصر السلاح بيد الدولة بحلول مهلة 30 سبتمبر 2026، كشرط أساسي لربطه بملف إنهاء الوجود العسكري الأمريكي وتدفق الاستثمارات الغربية.
- الضغوط الإيرانية: توظف طهران نفوذها العسكري عبر الفصائل الرافضة لنزع السلاح (مثل كتائب حزب الله التي أعلنت صراحة رفضها تسليم سلاحها أو الاعتراف بالاتفاقيات مع واشنطن)، كما تستخدم طهران أوراق النفوذ السياسي داخل “الإطار التنسيقي” لتعطيل استكمال كابينة الزيدي الوزارية التي لا تزال تعاني من شغور 9 حقائب وزارية مهمة و إقليمياً تستخدم طهران التهديدات الأمنية المباشرة (مثل ضربات الطيران والمسيرات وحرية الملاحة في هرمز) كورقة ضغط اقتصادية لتهديد إيرادات العراق النفطية.
ثانياً: السيناريوهات المتوقعة لمستقبل الحكومة
بناءً على المعطيات الميدانية والسياسية الحالية في أغسطس 2026، يتأرجح مستقبل حكومة الزيدي بين ثلاثة مسارات:
- سيناريو “التفكيك والتسوية التدريجية” (الأكثر ترجيحاً)
- المسار: قد تنجح الحكومة في احتواء الموقف من خلال استراتيجية “خطوة بخطوة”. تعتمد هذه الرؤية على إحداث اختراق في جدار الفصائل بضم المجموعات المرنة سياسياً (مثل عصائب أهل الحق وسرايا السلام التي أبدت تجاوباً مع مهلة نزع السلاح).
- النتيجة: عزل الفصائل الراديكالية وتجريدها من الغطاء السياسي والحشدي، والوصول إلى تسوية لتمديد تقني أو تجميد مؤقت لترسانة السلاح لتفادي الصدام المسلح و يسمح هذا السيناريو للحكومة باستكمال حقائبها الشاغرة والحفاظ على الدعم الاقتصادي الأمريكي والاستثمارات الدولية المتوقعة (مثل الاتفاقيات مع الشركات اليابانية والأمريكية)
- سيناريو “المواجهة الأمنية الشاملة” (عالي المخاطر)
- المسار: قد يضغط الجانب الأمريكي وحلفاؤه الإقليميون لدفع الزيدي إلى استخدام القوة المباشرة لإنفاذ مهلة 30 سبتمبر و يتزامن ذلك مع استمرار الضربات الجوية الاستباقية (مثل الضربات الأمريكية-السعودية المشتركة ضد الفصائل في شرق العراق في يوليو 2026).
- النتيجة: اندلاع تصادم مسلح مباشر بين القوات النظامية والفصائل المتشددة في الشارع العراقي. قد يقود هذا السيناريو إلى شلل سياسي تام، وتهديد سلامة خطوط تصدير النفط، وتحول العراق مجدداً إلى ساحة تصفية حسابات إقليمية مفتوحة، ما قد يطيح بائتلاف الحكومة.
- سيناريو “الجمود والامتثال للأمر الواقع“
- المسار: تراجع حكومة الزيدي عن الإجراءات الصارمة ضد الفصائل نتيجة للتهديدات الأمنية الداخلية والضغوط الإيرانية عبر البرلمان.
- النتيجة: بقاء السلاح خارج سلطة الدولة بعد انقضاء مهلة سبتمبر ما يترتب على ذلك حتماً تفعيل العقوبات الاقتصادية الأمريكية على النظام المصرفي العراقي ، وإعادة فرض قيود مشددة على حركة الدولار، وإلغاء واشنطن لخطط انسحاب قواتها، ما يحول حكومة الزيدي إلى حكومة “تصريف أعمال مقيدة” عاجزة عن الوفاء بوعود الإصلاح الاقتصادي.
النتائج والتوقعات
يتوقف بقاء واستقرار حكومة الزيدي على مدى قدرتها على المناورة الذكية؛ بحيث تمنح واشنطن تقدمًا ملموسًا في تجفيف منابع تمويل الفصائل وضبط الحدود، بينما تمنح طهران تطمينات سياسية واقتصادية تمنع الأخيرة من تفجير المشهد الداخلي عسكرياً.





















