بقلم: الدكتورة مروة بنت سلمان آل صلاح
مطور للمدن الذكية والاقتصاد الرقمي
لم تعد القيمة السياحية في العصر الرقمي تبنى عند وصول الزائر إلى الوجهة بل تبدأ بالتشكل في وعيه قبل اتخاذ قرار السفر كما لم يعد الإرث الثقافي يقتصر على ما تحتفظ به الدول من مواقع تاريخية أو مقتنيات حضارية وإنما أصبح يقاس بقدرتها على تحويل هذا الإرث إلى تجربة رقمية متكاملة تلامس الإنسان قبل أن يصل المكان ومن هنا لم يعد التطور التقني مجرد عامل مساعد في الترويج السياحي بل أصبح القرار الرقمي الركيزة الاستراتيجية التي تعيد صياغة العلاقة بين الإنسان والمكان وتحول التاريخ إلى قيمة اقتصادية والثقافة إلى رصيد استراتيجي والهوية الوطنية إلى قوة ذات حضور عالمي مستدام.
وفي هذا السياق تبرز أهمية التمييز بين التحول الرقمي والقرار الرقمي إذ يقتصر التحول الرقمي على توظيف التقنيات الحديثة لتطوير الخدمات والإجراءات بينما يمثل القرار الرقمي مرحلة أكثر تقدما تصبح فيها البيانات والتحليلات التنبؤية والذكاء الاصطناعي أدوات رئيسة لصياغة السياسات وتوجيه الاستثمارات وتحديد الأولويات الاستراتيجية ولذلك فإن نجاح قطاعي السياحة والتراث في البيئة الرقمية لا يرتبط بامتلاك أحدث التقنيات بقدر ما يرتبط بامتلاك القدرة على اتخاذ القرار الصحيح في الوقت المناسب استنادا إلى المعرفة الرقمية والتحليل الاستباقي لا إلى ردود الأفعال.
ولا يقتصر القرار الرقمي على كونه نموذجا لاتخاذ القرار المعتمد على البيانات، بل يمثل إطارا معرفيا يتجاوز التحليل الوصفي إلى بناء نماذج تنبؤية تستشرف المستقبل وتدعم صناعة السياسات. وفي هذا السياق، يرتبط القرار الرقمي بمنهجيات الذكاء الاصطناعي الحديثة التي تقوم على بناء النماذج التنبؤية حيث لا تقتصر قيمة البيانات على جمعها أو معالجتها وإنما في القدرة على تفسيرها وربطها بالسياق واستنتاج الأنماط التي تسهم في اتخاذ قرارات أكثر دقة وفاعلية وبهذا المعنى يصبح القرار الرقمي منظومة استراتيجية تحول البيانات إلى معرفة والمعرفة إلى سياسات والسياسات إلى قيمة اقتصادية وثقافية مستدامة.
لقد غير القرار الرقمي مفهوم الترويج السياحي بصورة جذرية فلم يعد نجاح الدول يقاس بحجم الحملات الإعلامية أو بعدد المشاركات في المعارض الدولية بل بقدرتها على استثمار البيانات لفهم الأسواق وتحليل سلوك الزوار واستشراف اتجاهات الطلب وبناء تجارب سياحية تستجيب لاحتياجات المسافرين قبل أن يعبروا عنها وهكذا انتقلت السياحة من نموذج يعتمد على التسويق التقليدي إلى نموذج يقوده الاقتصاد الرقمي حيث أصبحت البيانات موردا استراتيجيا لا يقل أهمية عن المقومات الطبيعية أو المواقع الأثرية.
وتؤكد المؤشرات الدولية حجم هذا التحول فقد أعلنت منظمة الأمم المتحدة للسياحة أن عدد السياح الدوليين بلغ نحو 1.4 مليار سائح خلال عام 2024، بما يمثل تعافيا يقترب من مستويات ما قبل جائحة كورونا وفي المقابل تشير الدراسات إلى أن أكثر من 80% من المسافرين يعتمدون على البحث الرقمي والمحتوى الإلكتروني قبل اتخاذ قرار السفر بينما تؤثر تقييمات الزوار وتجاربهم المنشورة عبر المنصات الرقمية بصورة مباشرة في اختيار الوجهات السياحية. وتعكس هذه المؤشرات حقيقة واضحة مفادها أن القرار السياحي أصبح يصنع داخل البيئة الرقمية قبل أن يبدأ عند مكاتب الحجز أو شركات السفر.
وتزداد أهمية القرار الرقمي عند الحديث عن التراث الثقافي لأن قيمة التراث لم تعد تقاس بعراقته أو بأهميته التاريخية فحسب بل بقدرته على الوصول إلى الأجيال الجديدة بلغتها وأدواتها الرقمية فقد وفرت تقنيات الواقع الافتراضي والواقع المعزز والتوائم الرقمية فرصا غير مسبوقة لإعادة تقديم المواقع التاريخية والمتاحف والمقتنيات الثقافية ضمن تجارب تفاعلية تتجاوز مفهوم العرض التقليدي وأصبح بإمكان الزائر أن يستكشف مدينة أثرية أو يعيش تفاصيل حقبة تاريخية أو يتفاعل مع شخصيات صنعت التاريخ قبل أن تطأ قدماه الموقع الحقيقي وهو ما يعزز الارتباط العاطفي والثقافي ويرفع في الوقت ذاته القيمة الاقتصادية للموروث الحضاري.
كما غير الذكاء الاصطناعي فلسفة الترويج السياحي من الاستهداف الجماعي إلى التجربة الشخصية فمن خلال تحليل البيانات الضخمة أصبح بالإمكان تصميم برامج سياحية تتوافق مع اهتمامات كل زائر وتقديم توصيات دقيقة والتنبؤ بأنماط الطلب الموسمية وتحسين إدارة الموارد والخدمات بما يرفع كفاءة الإنفاق ويحد من المخاطر ويعزز رضا الزوار وجودة تجربتهم.
ولا يقتصر دور القرار الرقمي على الاستجابة للواقع بل يمتد إلى صناعة المستقبل قبل حدوثه فمن خلال النماذج التنبؤية المدعومة بالذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة أصبحت المؤسسات السياحية والثقافية قادرة على استشراف تغيرات الأسواق وقياس التحولات السلوكية والتنبؤ باحتياجات الزوار قبل ظهورها فعليا وبهذا التحول لم تعد البيانات مجرد سجل يوثق الماضي بل أصبحت أداة استراتيجية لصناعة المستقبل وانتقل القرار من إدارة المتغيرات إلى استباقها ومن معالجة الأزمات إلى بناء الفرص.
كما وتؤكد بيانات المجلس العالمي للسفر والسياحة (WTTC) أن قطاع السفر والسياحة يسهم بما يقارب 10% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي ويوفر أكثر من 350 مليون فرصة عمل حول العالم وهو ما يعكس المكانة الاقتصادية لهذا القطاع ويؤكد أن الاستثمار في التكنولوجيا الرقمية لم يعد خيارا تقنيا بل أصبح استثمارا استراتيجيا يمتد أثره إلى النقل والطيران والثقافة والصناعات الإبداعية والاقتصاد الوطني بأكمله ومن هذا المنطلق أصبحت جودة القرار الرقمي عاملا حاسما في تعزيز تنافسية الوجهات السياحية وتحقيق التنمية المستدامة.
وفي المقابل تجد الدول التي لا تزال تنظر إلى التحول الرقمي بوصفه مشروعا تقنيا منفصلا عن صناعة القرار نفسها خارج دائرة المنافسة العالمية فالوجهة السياحية التي تفتقر إلى حضور رقمي مؤثر أو لا تستثمر في تحليل البيانات أو لا توظف الذكاء الاصطناعي لفهم الأسواق وسلوك الزوار تصبح أقل قدرة على جذب السياح مهما امتلكت من مقومات طبيعية أو تاريخية فالتكنولوجيا لم تعد بديلا عن الهوية الثقافية وإنما أصبحت الوسيلة الأكثر كفاءة لإبرازها وحمايتها وإيصالها إلى العالم بصورة معاصرة تحافظ على أصالتها وتواكب تطورات العصر.
وفي هذا الإطار لم يعد التراث ينظر إليه باعتباره إرثا ينبغي الحفاظ عليه فقط بل أصبح أصلا معرفيا واستثماريا قادرا على إنتاج قيمة اقتصادية وثقافية مستدامة دون المساس بأصالته فمن خلال الرقمنة والتوثيق الذكي والتوائم الرقمية وتقنيات الواقع الافتراضي والمعزز يمكن تحويل المواقع التاريخية والموروث الثقافي إلى منصات تعليمية وسياحية واقتصادية تعمل على مدار الساعة وتصل إلى جمهور عالمي يتجاوز الحدود الجغرافية.
إن الحفاظ على التراث في العصر الرقمي لم يعد يعني تجميده داخل المتاحف أو حمايته من عوامل الزمن فحسب بل يعني إعادة توظيفه ليصبح جزءا من دورة الاقتصاد المعرفي وأداة لتعزيز الهوية الوطنية ورافدا للاستثمار ومنصة تعليمية قادرة على ربط الأجيال الجديدة بتاريخها وبلغتها الرقمية وبالوسائل التي تتوافق مع أنماط التعلم والتفاعل الحديثة.
وفي الحالة الأردنية، لا تقتصر أهمية القرار الرقمي على تنشيط القطاع السياحي، بل تمتد إلى إعادة تموضع المملكة على خريطة الاقتصاد الإبداعي العالمي. فالأردن يمتلك رصيداً حضارياً وإنسانياً استثنائياً يبدأ من البتراء، ووادي رم، والمغطس، وأم قيس، وجرش، ولا ينتهي عند إرثه الثقافي اللامادي. إلا أن القيمة الحقيقية لهذا الإرث تكمن في قدرة المؤسسات الوطنية على تحويله إلى محتوى رقمي، وتجارب تفاعلية، ومنتجات معرفية تحمل هوية أردنية قادرة على المنافسة في الأسواق العالمية.
وعندما يصبح الابتكار في هذا المجال نتاجاً للعقول والكفاءات الوطنية، فإن عبارة «صنع في الأردن» لا تعبر عن منشأ منتج فحسب بل تعكس صناعة معرفة وإنتاج قيمة وتطوير حلول رقمية تنطلق من الهوية الوطنية وتخاطب العالم بلغة المستقبل. فالتنافس الحقيقي لم يعد قائما على استيراد التكنولوجيا وإنما على توطين المعرفة الرقمية وبناء كفاءات وطنية قادرة على إنتاج التقنيات وتطويرها وتوظيفها لخدمة الاقتصاد والثقافة والإنسان.
وفي هذا الإطار تكتسب السفارات والبعثات الدبلوماسية بعدا جديدا يتجاوز أدوارها التقليدية في التمثيل السياسي لتصبح منصات رقمية متقدمة للترويج السياحي والثقافي والاستثماري فالقرار الرقمي يتيح لهذه البعثات توظيف الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات لإنتاج محتوى رقمي موجه يتناسب مع اهتمامات كل مجتمع وبناء حملات تفاعلية بلغات متعددة والاستفادة من الواقع الافتراضي والتجارب الرقمية للتعريف بالمواقع التاريخية والوجهات السياحية قبل زيارة الدولة. وبهذا تتحول السفارة إلى نافذة معرفية حية تنقل هوية الوطن إلى العالم وتبني جسورا من الثقة والانتماء وتسهم في تعزيز القوة الناعمة للدولة من خلال محتوى احترافي قادر على الوصول إلى الجمهور المناسب في الوقت المناسب، وبأعلى درجات الكفاءة والتأثير.
كما تمثل المناسبات الوطنية والعالمية فرصة استراتيجية لإعادة تقديم الهوية الوطنية ضمن خطاب رقمي معاصر يتجاوز حدود الاحتفال التقليدي إلى صناعة أثر مستدام فالأعياد الوطنية والمناسبات الثقافية والأيام الدولية والمعارض والمؤتمرات العالمية تشكل جميعها منصات مثالية لإطلاق حملات رقمية مدعومة بالذكاء الاصطناعي توظف المحتوى التفاعلي والقصص الرقمية والواقع المعزز وتحليل اتجاهات الجمهور بما يعزز ارتباط الإنسان بالمكان ويحول المناسبة إلى تجربة عالمية قابلة للمشاركة والتأثير وعندما يقترن هذا الحضور الرقمي برسالة وطنية أصيلة تعكس تاريخ الدولة وثقافتها وإنجازاتها فإن كل مناسبة تتحول إلى فرصة لصناعة صورة ذهنية إيجابية وتعزيز الانتماء لدى المواطنين وترسيخ حضور الوطن في ذاكرة العالم ليصبح الترويج الرقمي عملا وطنيا تشارك فيه المؤسسات ويشعر المواطن بأنه شريك حقيقي في رواية قصة بلده وصناعة مستقبلها.
إن مستقبل الترويج السياحي لن يبنى على كثافة الحملات الإعلانية بل على جودة القرار الذي يقف خلفها ولن يتحقق ذلك إلا عندما تصبح البيانات أساسا للتخطيط والذكاء الاصطناعي أداة للاستشراف والمحتوى الرقمي وسيلة لبناء الثقة وتعزيز العلاقة بين الإنسان والمكان فالدول التي تستثمر في هذه المنظومة لا تطور قطاع السياحة فحسب بل تبني اقتصادا أكثر تنافسية وتحمي هويتها الثقافية وتعزز مكانتها الدولية وتؤسس لحضور عالمي يمتد أثره إلى الأجيال القادمة.
وفي النهاية لا تقاس قوة الأمم بما تختزنه من آثار في باطن الأرض بل بقدرتها على تحويل هذا الإرث إلى قصة يعرفها العالم ويؤمن بقيمتها ويرغب في أن يكون جزءا منها فالمكان الذي لا يحسن صناعة حضوره الرقمي يبقى مجهولا مهما بلغت عظمته أما المكان الذي يمتلك قراره الرقمي فإنه يحول تاريخه إلى مستقبل وتراثه إلى اقتصاد وهويته إلى رسالة تتجاوز الحدود وهكذا فإن الأمم لا تورث أبناءها الماضي فحسب بل تورثهم القدرة على إعادة إنتاجه في ذاكرة العالم وتحويله إلى مصدر للإبداع والتنمية والاستدامة.



























