بقلم: ا.د هاشم الحمامي
في وطن تتشقق فيه جدران السيادة كما تتشقق الأرصفة تحت أقدام الجياع، يصبح السكوت خيانة، والغضب فضيلة. العراق، ذاك الذي كتب التاريخ على ضفاف دجلة والفرات، يُذبح اليوم على موائد الفساد، وتُباع مرافئه كما تُباع الذمم الرخيصة. ميناء خور عبد الله، نافذة العراق البحرية الأخيرة، لم يعد شريان حياة، بل صار شاهداً على خيانة كبرى وفضيحة وطنية تهز الضمير، وتفضح الذين باعوا البلاد بثمن بخس، لا يساوي حفنة من الدولارات وولاءً ذليلاً لأجندات خارجية.
في دهاليز السلطة العراقية، حيث تتوارى الحقيقة خلف ستائر المال الفاسد، تتكشف واحدة من أخطر الصفقات التي طعنت العراق في خاصرته البحرية: اتفاقية خور عبد الله. هذا الميناء الحيوي، الذي يمثل آخر أنفاس العراق في الخليج العربي، تحوّل إلى ساحة لتقاسم النفوذ، ووسيلة للارتزاق السياسي على حساب سيادة الدولة.
بدأت فصول الجريمة منذ الاحتلال الأمريكي في 2003، حين سُلّمت مفاتيح العراق إلى طبقة سياسية هجينة، ولاؤها موزّع بين طهران وواشنطن، وقلوبها خاوية من الوطنية. استغلت الكويت هذا الانهيار، وتعاملت بدهاء سياسي فاق المتوقع، فشاركت في هندسة اتفاقية لترسيم الحدود البحرية، أفضت إلى اقتطاع الميناء عملياً من الجغرافيا العراقية.
في قلب هذه الصفقة، تقف وجوه معروفة من النظام السياسي العراقي الجديد، أبرزهم نوري المالكي وهادي العامري، الذين تشير تقارير عدة إلى تورطهم في تمرير الاتفاقية مقابل رشاوى وامتيازات مشبوهة. تمرير الاتفاق تم خلسة، بينما كان الشعب العراقي منشغلاً بجراحه، تُنهب ثرواته وتُباع مقدراته على موائد الخيانة.
صفقة العار والمقاومة الشعبية:
لكن الشعوب لا تموت، وإن تأخرت ثورتها. تسرب نبأ الصفقة أثار غضباً عارماً في الشارع العراقي، لتخرج الأصوات الحرة من بين الأنقاض، مطالبة بوقف مسلسل التفريط. وجاء قرار المحكمة الاتحادية العليا ليكون نقطة تحول، حيث أعلنت بطلان الاتفاقية ورفضها دستورياً، كصفعة قضائية مدوية في وجه الفاسدين.
رغم ذلك، لم تتورع حكومة السوداني – الامتداد الطبيعي لنظام المحاصصة الطائفي – عن محاولة الالتفاف على القرار القضائي، في محاولة لإرضاء أطراف خارجية، وتمرير المصالح الضيقة للنخبة السياسية المتنفذة. يبدو أن هذه الحكومة، كسابقاتها، لا ترى في العراق إلا غنيمة، ولا في شعبه إلا أرقاماً في جداول الصمت.
الخاتمة: ثورة البحر القادم.
إن العراق اليوم يقف على مفترق طرق: إما أن يواصل الخضوع لطبقة سياسية باعت السيادة لقاء مكاسب آنية، أو أن ينتفض لاسترداد كرامته المهدورة. ميناء خور عبد الله قد لا يكون مجرد مرفق بحري، بل شرارة ثورة، عنوانها “كفى”، وشعارها “العراق لنا”.
الشعب الذي هزم الطغاة، وأسقط الإمبراطوريات، لا يعجز عن إسقاط طبقة سماسرة السياسة. قد لا تكون الطريق سالكة، لكن التاريخ لا يرحم المتقاعسين، ولا يغفر للخونة. ليكن صوت العراق اليوم أعلى من كل الموانئ المسروقة، ولترتفع راية الوطن فوق كل الحسابات الطائفية والحزبية.
فليعلم العالم أن العراق، وإن كبا، لا يموت… وأن الموج القادم سيجرف كل خائن، ويعيد للوطن وجهه الحقيقي، حين تعود الأرض إلى أهلها، وتعود الموانئ إلى البحر العراقي من جديد.





























