بقلم: محمد ابراهيم عباس المحمدي، كاتب ومحلل سياسي لشؤون الشرق الأوسط
يتناول هذا المقال مذكرة الاعتقال والإجراءات القانونية التي استهدفت البروفيسور عبد الناصر الجنابي، الشخصية الوطنية العراقية البارزة ورئيس المجلس الوطني للمعارضة العراقية. يهدف المقال إلى تسليط الضوء على الدوافع السياسية الكامنة وراء هذه الملاحقات، مؤكدًا أن قضية الجنابي ليست مجرد مسألة قانونية، بل هي انعكاس لتخوف الحكومات العراقية المتعاقبة، وعلى رأسها حكومة محمد شياع السوداني الحالية، من رؤيته الشاملة للتغيير الوطني. سيتعمق التحليل في المسار السياسي للجنابي، ورؤيته لعراق موحد ذي سيادة بعيدًا عن النفوذ الأجنبي، وكيف أن هذه الرؤية تشكل تهديدًا للوضع الراهن الذي تسعى السلطة الحاكمة للحفاظ عليه، مما يبرز الجنابي كبديل حقيقي وفاعل للتغيير المنشود في العراق.
مقدمة: البروفيسور عبد الناصر الجنابي – صوت وطني في وجه التعسف
في المشهد السياسي العراقي المعقد، تبرز شخصيات وطنية تدفع ثمن مواقفها الجريئة ورؤاها التغييرية. من بين هذه الشخصيات، يأتي البروفيسور عبد الناصر كريم يوسف الجنابي، رئيس المجلس الوطني للمعارضة العراقية. إن الإشارة في بعض الأحيان إلى “البروفيسور عبد الله الجنابي” في سياق الدعوة للتغيير، هي في الواقع إشارة إلى البروفيسور عبد الناصر الجنابي، الذي يُعرف بخلفيته الأكاديمية في علم اللاهوت والأديان المقارنة، وبمسيرته السياسية الحافلة كعضو سابق في البرلمان العراقي.
إن قضية مذكرة الاعتقال التي صدرت بحقه، والحكم اللاحق بالسجن المؤبد بتهم الإرهاب ، لا يمكن فهمها بمعزل عن السياق السياسي المضطرب في عراق ما بعد 2003. إنها ليست مجرد قضية جنائية، بل هي حلقة في سلسلة طويلة من ملاحقة الأصوات الوطنية التي تجرؤ على تحدي النظام القائم والمطالبة بإصلاحات جذرية. هذا المقال سينحاز إلى جانب البروفيسور الجنابي، باعتباره رمزًا للمعارضة الوطنية التي عانت من تعسف الحكومات، ويسعى إلى إبراز تخوف حكومة السوداني الحالية من أن يكون الجنابي هو البديل الحاضر للتغيير الذي ينشده الشعب العراقي.
رؤية التغيير الوطني للبروفيسور عبد الناصر الجنابي
يُعد البروفيسور عبد الناصر الجنابي شخصية عراقية ذات تأثير سياسي وأكاديمي واجتماعي عميق. هو مسلم سني صوفي، عربي عراقي وطني، وُلد في جرف الصخر. مسيرته السياسية بدأت بعضويته في مجلس النواب العراقي من 2006 إلى 2007، حيث خدم في لجنة الأمن والدفاع. كان له دور في لجنة صياغة دستور 2005، لكنه سرعان ما دعا جامعة الدول العربية والأمم المتحدة للتدخل لمنع إقراره، واصفًا إياه بأنه “فُرض تحت حراب الاحتلال”. هذا الموقف الجريء يعكس رفضه العميق للأسس التي بُني عليها النظام السياسي بعد الغزو.
تتمحور رؤية الجنابي للتغيير حول مبادئ وطنية راسخة تهدف إلى استعادة سيادة العراق وكرامته. من أبرز ملامح هذه الرؤية:
- الحفاظ على وحدة العراق وسيادته: يدعو إلى عراق موحد شعبًا وأرضًا وكيانًا، واستعادة استقلاله الوطني الكامل ليكون مصدر أمن واستقرار في المنطقة. يرفض بشكل قاطع جميع أشكال الاحتلال والنفوذ الخارجي، وخاصة النفوذ الإيراني الذي يراه مهددًا لسيادة العراق.
- إصلاح النظام السياسي: يطالب باستبدال “النظام السياسي الطائفي الفاسد” بنظام حكم رئاسي وطني مركزي، يقوم على العدل والمواطنة والتداول السلمي للسلطة. يؤكد على ضرورة كتابة دستور جديد للعراق بصيغة وطنية عادلة.
- بناء مؤسسات وطنية حقيقية: يدعو إلى إعادة تشكيل جيش وطني وأجهزة أمنية مدربة من أبناء الشعب العراقي، قادرة على حماية البلاد من الأطماع الخارجية والتصدي للميليشيات الإرهابية. كما يطالب بحل قوات الحشد الشعبي.
- تعزيز حقوق الإنسان والعدالة: يشدد على أهمية حقوق الإنسان، وخاصة للمرأة والشباب، ويدعو إلى إيقاف أحكام الإعدام وإطلاق سراح المعتقلين بسبب ما يصفه بـ”تردي وفساد القضاء العراقي”.
- التنمية الاقتصادية الشاملة: يرى ضرورة ربط ثروات العراق النفطية وغيرها بالتنمية الوطنية وإعادة الإعمار، بما يخدم الدولة والشعب.
إن هذه الرؤية الشاملة، التي تتجاوز المصالح الفئوية والطائفية، هي ما جعلت الجنابي هدفًا للملاحقة، لأنها تمثل تهديدًا مباشرًا للنظام القائم الذي يستفيد من الانقسامات ويخشى أي مشروع وطني حقيقي.
مذكرة الاعتقال: أداة قمع سياسي
صدرت مذكرة اعتقال بحق البروفيسور عبد الناصر الجنابي بتهمة المسؤولية عن اختطاف وقتل ما يقرب من 150 مواطنًا عراقيًا في مناطق جرف الصخر والمسيب. وقد اتُهم بالإرهاب، وصرح رئيس الوزراء آنذاك نوري المالكي علنًا بتورطه في “الأعمال الإرهابية”. في عام 2011، زعمت مصادر عراقية أنه اعترف بالتعاون مع شخصيات من النظام السابق مثل عزة الدوري لتنفيذ عمليات مسلحة.
ومع ذلك، فإن هذه الاتهامات والإجراءات القانونية تكتنفها شكوك عميقة حول دوافعها السياسية:
- التصريحات المسبقة لرئيس الوزراء: جاء اتهام نوري المالكي العلني للجنابي في البرلمان
قبل الطلب القضائي الرسمي لرفع الحصانة البرلمانية عنه. هذا التدخل الصريح من رأس السلطة التنفيذية في قضية قضائية يشير بوضوح إلى تسييس القضية وتأثير السلطة على القضاء.
- نمط ملاحقة المعارضين السنة: تتشابه قضية الجنابي بشكل لافت مع قضايا أخرى رفيعة المستوى ضد سياسيين سنة بارزين، مثل نائب الرئيس السابق طارق الهاشمي، الذي حُكم عليه بالإعدام بتهم إرهاب اعتُبرت على نطاق واسع ذات دوافع سياسية. هذا النمط يؤكد أن تهم الإرهاب غالبًا ما تُستخدم كأداة لتحييد المعارضين السياسيين، خاصة من المكون السني الذي يشعر بالتهميش.
- غياب استقلال القضاء وانتهاكات حقوق الإنسان: لطالما أعربت منظمات حقوق الإنسان الدولية، مثل منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش، عن مخاوفها الجدية بشأن استقلال القضاء العراقي وعدالة المحاكمات، خاصة في الفترة التي صدرت فيها التهم ضد الجنابي (2007-2013). تشمل هذه المخاوف الاعتقالات التعسفية، والاحتجاز المطول، والتعذيب لانتزاع الاعترافات، والمحاكمات التي لا تفي بالمعايير الدولية. في ظل هذا المناخ، فإن “الاعترافات” المزعومة للجنابي تثير تساؤلات جدية حول مدى طوعيتها وصحتها.
- إعلان الجنابي الانضمام للمقاومة: بعد طلب رفع حصانته، أعلن الجنابي استقالته من البرلمان و”الانضمام إلى المقاومة المسلحة”. هذا الإعلان، الذي جاء كرد فعل على ما اعتبره استهدافًا سياسيًا، تم استغلاله لتعزيز قضية الحكومة ضده، مما طمس الخطوط الفاصلة بين المعارضة السياسية والتمرد المسلح.
إن هذه العوامل مجتمعة ترسم صورة واضحة لملاحقة ذات دوافع سياسية، تهدف إلى إسكات صوت وطني يمثل تهديدًا حقيقيًا للنظام القائم.
حكومة السوداني وتخوفها من التغيير
تأتي حكومة محمد شياع السوداني، التي تولت السلطة في عام 2022، في سياق استمرار التحديات الأمنية والسياسية في العراق. بينما تسعى الحكومة لإبراز صورة الاستقرار والتعافي ، فإن إجراءاتها الأخيرة تكشف عن تخوف عميق من أي تغيير جذري قد يزعزع الوضع الراهن.
- استمرار قمع حرية التعبير: تشهد ساحة العراق تصاعدًا في الملاحقات القضائية والقيود المفروضة على أصحاب الرأي المعارض من الإعلاميين والصحافيين والناشطين. وقد أظهرت تقارير حديثة لعام 2025 أن العراق لا يزال يسجل أعدادًا كبيرة من الصحفيين الشهداء، وأن حرية الصحافة لا تزال متدهورة. اعتقال المحلل السياسي عباس العرداوي بأمر من رئيس الوزراء نفسه بتهمة “التحريض” ، يؤكد أن حكومة السوداني تواصل نهج سابقاتها في قمع الأصوات التي قد تُفسر على أنها تهديد للأمن أو الاستقرار.
- الخوف من تفكيك النظام الطائفي: إن رؤية الجنابي لإقامة نظام رئاسي وطني مركزي وإنهاء الطائفية تتصادم بشكل مباشر مع نظام المحاصصة الطائفية الذي بُني عليه العراق بعد 2003. هذا النظام، على الرغم من فساده وانقساماته، هو أساس شرعية الحكومة الحالية وتوزيع السلطة. أي دعوة لتغييره تُعد تهديدًا وجوديًا للنخبة الحاكمة.
- التعامل مع النفوذ الأجنبي: يطالب الجنابي بإنهاء الوجود والنفوذ الإيراني في العراق. هذا المطلب يشكل تحديًا كبيرًا لحكومة السوداني، التي تعمل ضمن إطار يتأثر بشدة بالفصائل السياسية والمسلحة المدعومة من إيران. إن سعي الحكومة لدمج قوات الحشد الشعبي في القوات الأمنية الرسمية، على الرغم من تعقيداته، يعكس محاولة للسيطرة على هذه الفصائل دون المساس بنفوذها الأساسي، وهو ما يتناقض مع دعوة الجنابي لحلها.
- الاستقرار الهش في ظل التوترات الإقليمية: يقع العراق في قلب منطقة ملتهبة، وتخشى حكومة السوداني من الانجرار إلى صراعات إقليمية، لا سيما التوترات بين إيران وإسرائيل. إن أي حركة تغيير داخلي قوية، مثل تلك التي يدعو إليها الجنابي، يمكن أن تُنظر إليها على أنها تزيد من هشاشة العراق وتجعله أكثر عرضة للتدخلات الخارجية، مما يفسر حرص الحكومة على الحفاظ على “الاستقرار” بأي ثمن، حتى لو كان ذلك على حساب الحريات وقمع المعارضة.
إن تخوف حكومة السوداني من البروفيسور الجنابي ليس شخصيًا بقدر ما هو تخوف من الأفكار التي يمثلها: أفكار السيادة الوطنية الكاملة، والعدالة، وإنهاء الفساد والطائفية. هذه الأفكار، إذا ما اكتسبت زخمًا شعبيًا، تهدد بتقويض الأسس التي يقوم عليها النظام الحالي.
- الجنابي: البديل الحاضر للتغيير في العراق
على الرغم من مذكرة الاعتقال والحكم بالسجن المؤبد، يواصل البروفيسور عبد الناصر الجنابي قيادة المجلس الوطني للمعارضة العراقية من خارج العراق. هذا الاستمرار في النشاط السياسي، حتى في المنفى، يؤكد إيمانه الراسخ بقضيته ورفضه لشرعية التهم الموجهة إليه.
- قيادة المعارضة من المنفى: يواصل الجنابي، بصفته رئيسًا للمجلس الوطني للمعارضة العراقية، التعبير عن مواقفه ورؤيته لمستقبل العراق. تشير تقارير حديثة من عام 2025 إلى استمرار نشاطه السياسي وإجرائه للمقابلات.
- الدعوة إلى “ثورة قادمة“: يتحدث الجنابي عن “مشروع وطني” و”ثورة قادمة” ، مما يدل على إصراره على إحداث تغيير حقيقي في العراق. هذه الدعوات تلقى صدى لدى قطاعات واسعة من الشعب العراقي الذي يعاني من الفساد وسوء الخدمات.
- رمز للمقاومة الوطنية: يُنظر إلى الجنابي كرمز للمقاومة ضد الاحتلال والنفوذ الأجنبي، وكمدافع عن حقوق الشعب العراقي. إن مسيرته من عضوية البرلمان إلى الانضمام إلى “المقاومة المسلحة” ثم قيادة المعارضة السياسية ، تعكس تطورًا في أساليب النضال، لكنها تؤكد ثباته على مبادئه الوطنية.
- القدرة على توحيد الصفوف: يسعى المجلس الوطني للمعارضة العراقية، بقيادة الجنابي، إلى توحيد القوى الوطنية من مختلف الأطياف والطوائف والقوميات العراقية في الداخل والخارج. هذا الجهد لتوحيد الصفوف حول مشروع وطني جامع يجعله بديلًا محتملًا وقويًا في مشهد سياسي يعاني من الانقسام.
إن استمرار نشاط البروفيسور الجنابي، ورؤيته الواضحة، وقدرته على حشد الدعم، تجعله بالفعل “البديل الحاضر المحتمل للتغيير في العراق”. إن تخوف الحكومة من هذه الإمكانية هو ما يدفعها إلى الاستمرار في ملاحقته وتشويه سمعته، في محاولة يائسة للحفاظ على نظام لم يعد يلبي طموحات الشعب العراقي.
الخلاصة والتوصيات
تُظهر قضية مذكرة اعتقال البروفيسور عبد الناصر الجنابي بوضوح أن ملاحقته كانت، وما زالت، ذات دوافع سياسية عميقة. إنها ليست مجرد تطبيق للقانون، بل هي محاولة لإسكات صوت وطني بارز يطالب بتغيير جذري في بنية الدولة العراقية، وإنهاء الفساد، واستعادة السيادة الكاملة من النفوذ الأجنبي. إن تخوف حكومة محمد شياع السوداني من رؤية الجنابي ينبع من إدراكها أن هذه الرؤية تهدد الأسس التي يقوم عليها النظام الحالي، القائم على المحاصصة الطائفية والارتباطات الخارجية.
إن استمرار البروفيسور الجنابي في قيادة المجلس الوطني للمعارضة العراقية من المنفى، ودعوته المستمرة إلى “ثورة قادمة” ومشروع وطني جامع، يؤكد أنه يمثل بالفعل بديلًا حقيقيًا وفاعلًا للتغيير في العراق. إن معاناته من تعسف الحكومات المتعاقبة، بما في ذلك حكومة السوداني، هي شهادة على التحديات التي تواجه أي شخصية وطنية تسعى لإصلاح حقيقي في بلد يعاني من ضعف المؤسسات وتغلغل المصالح.
لتعزيز الاستقرار الحقيقي والعدالة في العراق، يجب على المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية أن:
- تُدين الملاحقات السياسية: الضغط على الحكومة العراقية لوقف استخدام تهم الإرهاب كأداة لقمع المعارضة السياسية، وضمان محاكمات عادلة وشفافة لجميع المعتقلين.
- تُطالب باستقلال القضاء: دعم الإصلاحات القضائية الشاملة التي تضمن استقلال القضاء العراقي عن التأثيرات السياسية، وتُنهي ممارسات التعذيب والاعتقال التعسفي.
- تُعزز الحوار الوطني الشامل: تشجيع الحكومة العراقية على الانخراط في حوار حقيقي مع جميع الأطياف الوطنية، بما في ذلك المعارضة، لمعالجة المظالم الأساسية وبناء دولة مواطنة حقيقية.
- تُسلط الضوء على الأصوات الوطنية: دعم الشخصيات الوطنية مثل البروفيسور عبد الناصر الجنابي، التي تسعى إلى بناء عراق موحد وديمقراطي، وتوفير منصات لهم للتعبير عن رؤاهم دون خوف من الانتقام.
إن مستقبل العراق يعتمد على قدرته على احتضان التغيير الحقيقي الذي ينشده شعبه، وليس على قمع الأصوات الوطنية التي تدعو إليه.





























