بقلم: الدكتور هاشم الحمامي
منذ عام 2003، دخل العراق في مرحلة سياسية معقدة، تميزت بوعود ديمقراطية لم تتحقق وفساد مستشرٍ ألقى بظلاله على مستقبل البلاد. وعلى الرغم من أن النظام السياسي في العراق يوصف رسمياً بأنه “ديمقراطي“، إلا أن الممارسات الفعلية تشير إلى أنه نظام مختل تحكمه المصالح السياسية والسلاح المنفلت، حيث تتكرر اتهامات بتزوير الانتخابات، وترهيب الناخبين، واستخدام الميليشيات المسلحة لضمان بقاء القوى المتنفذة في السلطة.
الفساد المستشري: أرقام صادمة ونهب مستمر
تشير التقارير إلى أن العراق فقد ما يقرب من 450 مليار دولار بسبب الفساد بين عامي 2003 و2015، وفقًا لتصريحات وزير النفط الأسبق عادل عبد المهدي. كما كشف رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي في سبتمبر/أيلول 2014 عن وجود نحو 50 ألف موظف وجندي وهمي في وزارة الدفاع يتقاضون رواتب دون أن يكون لهم وجود فعلي.
وفي عام 2021، أعلن الرئيس العراقي برهم صالح أن ما يقرب من 150 مليار دولار من أموال النفط قد تم تهريبها إلى الخارج منذ عام 2003. وفي مارس/آذار 2023، قدّر رئيس الوزراء الأسبق مصطفى الكاظمي أن الفساد كلف البلاد نحو 600 مليار دولار بين عامي 2003 و2020، وفقاً لتقارير رسمية ودراسات اقتصادية.
نظام سياسي يُحكم بالسلاح بدلًا من الديمقراطية
رغم أن العراق من الناحية الشكلية يتبع نظاماً ديمقراطياً برلمانياً، إلا أن الواقع يعكس صورة مغايرة. فقد أشارت منظمات حقوقية وتقارير دولية إلى أن الأحزاب السياسية المهيمنة، المدعومة بالفصائل المسلحة، تسيطر على العملية الانتخابية من خلال التزوير، والترهيب، وشراء الأصوات، مما يجعل التداول السلمي للسلطة أمراً بالغ الصعوبة. أي محاولة حقيقية للإصلاح تواجه برد فعل عنيف، يتراوح بين الاغتيالات السياسية، والاعتقالات التعسفية، وحملات التضييق الإعلامي.
مظاهرات تشرين 2019: حلم التغيير وإرهاب الدولة
في أكتوبر/تشرين الأول 2019، خرج مئات الآلاف من العراقيين في احتجاجات واسعة ضد الفساد، وسوء الإدارة، وتدخل الأحزاب الطائفية في شؤون الدولة. كانت هذه التظاهرات بمثابة استفتاء شعبي على رفض النظام الحالي، لكن السلطات ردت بعنف مفرط.
وفقاً لتقارير حقوقية، استخدمت قوات الأمن والميليشيات القناصين والأسلحة الكاتمة للصوت لاستهداف قادة التظاهرات والناشطين المدنيين، مما أدى إلى مقتل أكثر من 600 متظاهر وإصابة آلاف آخرين. كما وثقت منظمات حقوق الإنسان عمليات خطف واغتيال طالت ناشطين وصحفيين، وسط إفلات تام من العقاب.
الآثار الكارثية لاستمرار الفساد
استمرار الفساد دون رادع أدى إلى انهيار شبه كامل في الخدمات العامة والبنية التحتية. فعلى الرغم من إنفاق العراق نحو 28 مليار دولار على قطاع الكهرباء بين عامي 2006 و2018، إلا أن العراقيين لا يزالون يعانون من انقطاعات تصل إلى 18 ساعة يومياً، وفقًا لتقارير البنك الدولي.
كما أن النظام الصحي يعاني من نقص حاد في المستشفيات والأدوية، بينما تشهد المؤسسات التعليمية تدهوراً واضحاً، حيث احتل العراق مراكز متأخرة في التصنيفات الدولية لجودة التعليم.
هل هناك أمل في الإصلاح؟
إصلاح النظام السياسي في العراق يتطلب إرادة سياسية حقيقية، وتفكيك سيطرة الميليشيات، وإجراء انتخابات نزيهة، ومحاسبة الفاسدين. ومع ذلك، فإن استمرار السلاح خارج إطار الدولة، وتواطؤ بعض الأحزاب النافذة، يجعل هذا التغيير بالغ الصعوبة.
في ظل هذه الظروف، يبقى الأمل الحقيقي معقوداً على وعي الشعب العراقي، واستمرار الضغوط المحلية والدولية لدفع عجلة الإصلاح. فقد أثبتت التجارب التاريخية أن الأنظمة الفاسدة قد تبدو قوية، لكنها تنهار عندما يصل الغضب الشعبي إلى ذروته.
لكن السؤال الذي يظل مفتوحاً: هل يستطيع العراقيون فرض إرادتهم واستعادة دولتهم، أم أن الميليشيات ستظل هي القوة الحقيقية الحاكمة؟
























