بقلم: علي حسن الفرطوسي
نطرح هنا نقطة هامة ومؤلمة في آن واحد، وهي مسؤولية الولايات المتحدة وبريطانيا تجاه ما حدث في العراق بعد الغزو عام 2003. لا شك أن هذين البلدين لعبا دورًا محوريًا في تدمير هيكل الدولة العراقية، وساهمت سياساتهم في فقدان الاستقرار و انتشار الفساد و التوترات الطائفية في العراق. من المهم النظر إلى هذه المسؤولية من خلال مايلي:
المسؤولية القانونية والأخلاقية:
عندما قررت الولايات المتحدة وبريطانيا غزو العراق، لم يكن لديهم موافقة من الأمم المتحدة أو دعم كافٍ من المجتمع الدولي بناءً على معلومات خاطئة حول وجود أسلحة دمار شامل في العراق، وهو ما تبين لاحقًا أنه لم يكن صحيحًا. وبالتالي، يمكن اعتبار هذا الغزو مخالفًا للقانون الدولي في كل الجوانب. بعد الاحتلال، كان على هذه القوى الكبرى الاعتراف بمسؤوليتها عن كل ماحدث من دمار وخراب وقتل وتهجير في العراق ومن هنا تبرز مسؤوليتهم في إعادة إعمار العراق وتحمل تبعات ما خلفته حروبهم العسكرية العبثية من دمار شامل للبلاد.كما أن الولايات المتحدة وبريطانيا قوضتا الهيكل السياسي في العراق من خلال حل الجيش العراقي و تفكيك مؤسسات الدولة، مما أسهم في تدمير العراق وجعله عرضة للفوضى والعنف المستمرين كما ارتكبت كلا الدولتين جريمة اخرى عندما جلبت ذيولها من الفاسدين والمجرمين ونصبتهم بالتزوير حكاما على العراق.
الفشل في تقديم الحلول الفعالة
أحد الأخطاء الجسيمة التي ارتكبها الاحتلال هو عدم تحضير خطة فعالة للمستقبل بعد الإطاحة بالنظام العراقي ترك العراق دون أي دعم حقيقي في مجال إعادة بناء مؤسساته، وجلبت الطبقات السياسية الفاسدة لتتسلم السلطة في العراق بعد الاحتلال. في الوقت ذاته، سمحت امريكا وبريطانيا بشكل واضح ومتعمد للنظام الايراني بتعزيز نفوذه في العراق كجزء من الديناميكيات التي تركت البلاد في حالة من الاستنزاف الداخلي.من هنا، يجب أن يتحمل الاحتلال الأمريكي والبريطاني المسؤولية الأخلاقية في تدمير البنية التحتية العراقية وفي إضعاف وتفكيك مؤسسات الدولة العراقية وفي تسليم السلطة لأحزاب وطوائف كانت قد ساهمت في مفاقمة الفوضى.
التخلي عن العراق
على الرغم من أن كلا من الولايات المتحدة وبريطانيا قد سحبوا جزء مهم من قواتهم من العراق بشكل تدريجي، فإنهما فشلا في تحقيق استقرار حقيقي في البلد بعد رحيلهم ، وترك البلاد تحت هيمنة قوى محلية فاسدة مرتبطة بمصالح إقليمية، على رأسها إيران، ويبدو واضحا ان الاحتلال الأمريكي والبريطاني مصر على مواصلة دعم هذا النظام الفاسد رغم فشله طيلة 21 عاما عجافا في تحقيق أي تقدم حقيقي للعراق.
ما الذي يجب أن تفعله أمريكا وبريطانيا الآن؟
بناءً على الواقع السياسي والقانوني الحالي، هناك فرص قليلة لمقاضاة الولايات المتحدة وبريطانيا بشكل فعال أمام المحاكم الدولية. ومع ذلك، هناك إمكانية لاستمرار الدعوات الشعبية للعدالة وتعويض الأضرار من خلال الضغط السياسي على المجتمع الدولي، ويمكن للعراقيين الحصول على تعويضات أو اعتراف دولي بالأضرار التي لحقت بهم جراء الحرب.
من أجل الوفاء بمسؤولياتها القانونية والأخلاقية تجاه الشعب العراقي، يجب على الولايات المتحدة وبريطانيا اتخاذ خطوات إيجابية وملموسة لتصحيح الأوضاع التي أوجدتها:
• ضغط دولي حقيقي على الحكومة العراقية لإحداث إصلاحات شاملة في النظام السياسي. يتطلب ذلك الابتعاد عن المحاصصة الطائفية والفساد المستشري.
• دعم الشعب العراقي في مكافحة الفساد وتنمية المؤسسات المدنية المستقلة التي يمكنها أن تعمل لصالح الشعب.
• دعم مطالب الشعب العراقي في الحصول على حكومة وطنية ديمقراطية، قادرة على التوصل إلى حلول عميقة وتكون غير مرتبطة بمصالح خارجية.
• مراجعة السياسات الأمريكية في المنطقة وضمان أن لا تظل العراق تحت الهيمنة الإيرانية أو أي نفوذ خارجي آخر.
نظرة الى المستقبل
حتى في ظل هذه التحديات، يمكن أن يكون للعراق مستقبل مشرق إذا تمت إعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس ديمقراطية حقيقية. التزام المجتمع الدولي، وخاصة الولايات المتحدة وبريطانيا, بالمسؤولية تجاه العراق سيساعد في إصلاح الأخطاء التي ارتُكبت في الماضي، ولن يتحقق هذا إلا من خلال تغيير سياسي حقيقي وانهاء وجود القوى الحاكمة الفاسدة في العراق.



























