ووفقا للمراقبين، فإن العراق اتجه للدول القريبة من الولايات المتحدة، بهدف الحصول على ضمانات “أمنية ودعم”، لكن هذا التوجه يبقى مرهونا بموقف داخلي حاسم وهو تسوية ملف الفصائل المسلحة، مشددين على ضرورة أن ترافق تلك التحركات الدبلوماسية تطمينات واضحة.
وتوجه يوم أمس الأربعاء، رئيس الحكومة محمد شياع السوداني إلى المملكة العربية السعودية، والتقى في مدينة العلا ولي العهد محمد بن سلمان، وبحثا بحسب بيان حكومي، آخر تطورات الأوضاع في المنطقة وأهمية الاتفاق على التنسيق المشترك بشأن تداعيات الأحداث في سوريا.
وإذ أكد السوداني، بحسب البيان، حرص العراق على وحدة الأراضي السورية وعدم التدخل في الشأن الداخلي السوري واحترام الإرادة الحرة للسوريين، واستعداد العراق للتعاون مع الأشقاء والأصدقاء في المنطقة من أجل إرساء الأمن والاستقرار وإبعاد المنطقة عن خطر الصراعات والحروب، تطرق الجانبان لوضع غزة، وأكدا على أهمية تكثيف الجهود الدولية من أجل إيقاف فوري للحرب ومضاعفة الجهود الإغاثية لتخفيف معاناة الأهالي في غزّة.
وفي هذا الشأن، يقول رئيس مركز التفكير السياسي، إحسان الشمري، إن “زيارات رئيس الحكومة محمد شياع السوداني إلى الأردن والسعودية تندرج في خانة الاقتراب العراقي من المحيط العربي، خصوصا مع وجود ملفات تسوية في غزة وسقوط نظام الأسد في سوريا”.
ويضيف الشمري، أن “ما يجري في المنطقة يمثل ملفا عربيا ضابطا، لأن سوريا مجاورة للعراق والأردن، لذلك فالتنسيق بالنسبة للبلدين يعتبر مهما لتوحيد الموقف وتبادل المعلومات الاستخبارية”، معتبرا لقاء السوداني بولي العهد محمد بن سلمان، بأنه “جاء من المعرفة بما تمثله السعودية من ارتكاز عربي دبلوماسي وسياسي بحكم علاقاتها الدولية، وهي الأولى بمنظومة الدول العربية قاطبة، وتمتلك الكثير من مفاتيح الحلول، خاصة وأن المنظومة الغربية دائما ما تمر مقارباتها عبر الرياض”.
ويتابع، أن “ذهاب العراق بالاتجاه العربي هو اتجاه صحيح في ظل أوضاع المنطقة، وهو جزء من محاولات الابتعاد أو الميول للرأي الإيراني بما يخص الملفات العربية الحساسة”، مبينا أن “السعودية والأردن هي الدول المعنية بشكل أكبر في كل ما
يجري من تغيرات”.
ويوضح أن “العراق لم يكن له أي دور بالوضع في غزة، بل كان يشرف على الهدنة معها كل من الولايات المتحدة ومصر وقطر، وأما لبنان فقد كانت الولايات المتحدة وفرنسا تشرفان على مفاوضات الهدنة فيه”، مؤكدا أن “العراق اقتصر دوره على مستوى معين من الدعم الإنساني، وفي بعض اللحظات لعب دور ناقل الرسائل فيما يخص غزة ولبنان، ولكن في سوريا، وضع العراق نفسه ضمن السياق العربي عبر مبادرته لجمع الدول العربية على موقف واحد بعدما انهار النفوذ الإيراني في الجار الغربي، بهدف ملء الفراغ من قبل تلك الدول بدلا من دولة إقليمية واحدة” في إشارة إلى تركيا.
وكان السوداني، زار الأردن في 11 كانون الأول ديسمبر الحالي، والتقى في العاصمة الأردنية عمّان الملك عبد الله الثاني بن الحسين، وذلك بعد ثلاثة أيام فقط من سقوط نظام بشار الأسد في سوريا.
يذكر أن لجنة الاتصال الوزارية العربية بشأن سوريا، أكدت في اجتماعها بمدينة العقبة الأردنية، يوم 14 من الشهر الحالي، وكان بمشاركة العراق، الوقوف إلى جانب الشعب السوري وتقديم كل العون والإسناد له في هذه المرحلة الانتقالية، واحترام إرادته وخيارته، داعية إلى تشكيل هيئة حكم انتقالية جديدة “جامعة”.
وشدد البيان الختامي الصادر عقب الاجتماع، على دعم عملية انتقالية سلمية سياسية سورية جامعة، تتمثل فيها كل القوى السياسية والاجتماعية، بما فيها المرأة والشباب والمجتمع المدني بعدالة، وترعاها الأمم المتحدة والجامعة العربية.
ويبين المحلل السياسي هيثم الخزعلي، أن “مصر والأردن والسعودية تستشعر الخطر من الوضع في سوريا، ولا يناسبها وجود جماعات متطرفة خلفيتها من جماعة الإخوان المسلمين وأخرى من السلفية والقاعدة، لأن ذلك سيمنحها أرضية شعبية في هذا البلد”.
ويؤكد الخزعلي، أن “العراق يخشى من عودة سيناريو داعش في سوريا، ولذلك فهو يحاول تقوية الاتفاقات مع الدول العربية لإيجاد صيغة حل للحد من نفوذ الجماعات الإرهابية ذاتها”، مبينا أن “الحكومة العراقية لا تريد الذهاب باتجاه موقف عدائي تجاه الجماعات الحاكمة الآن في سوريا، بل تريد التعامل بشكل محترم كدولة لأخرى وفقا للاتفاقيات الدولية”.
ويلفت إلى أن “اشتراك العراق في اجتماعات العقبة هدفه ضمان حصول موقف تجاه قيام نظام في سوريا يكون مدنيا ويحافظ على حقوق الأقليات والطوائف والأماكن المقدسة عبر الجهود الدبلوماسية والأطراف الفاعلة، وعلى رأسها الولايات المتحدة، مع توظيف مصالحه أيضا ضمن هذا السياق”.
وفي ظل الحراك الدبلوماسي في المنطقة، فقد أجرى وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن، جولة في المنطقة العربية، وقد هبط في العراق بشكل مفاجئ، والتقى السوداني، وشدد خلال اللقاء، وفقا لما نقلت وكالة “رويترز” على “التزام الولايات المتحدة بالشراكة الاستراتيجية الأمريكية العراقية وبأمن العراق واستقراره وسيادته”.
وأضافت أن الوزير ناقش أيضا الفرص والتحديات الأمنية الإقليمية، بالإضافة إلى الدعم الأمريكي الدائم للمشاركة مع جميع المجتمعات في سوريا لإنشاء انتقال شامل”.
وعقب سقوط النظام السوري في 8 كانون الأول ديسمبر الحالي، عقدت إدارة العمليات العسكرية برئاسة أحمد الشرع (أبو محمد الجولاني) اجتماعا مع رئاسة حكومة النظام السابق، وتبع ذلك تسليم الحكومة السابقة لملفات الوزارات والإدارات العامة إلى حكومة إنقاذ، لتصبح حكومة تسيير أعمال مؤقتة لمدة أقل من 3 أشهر، يرأسها محمد البشير.
من جانبه، يعتقد رئيس المركز العربي الاسترالي للدراسات الاستراتيجية، أحمد الياسري، أن “القاعدة التي ينطلق منها العراق ضمن الملف السوري، هي محاولة طلب استعانة للأمر مع اقتراب القمة العربية، لأنه كلما انحسر النفوذ الإيراني يصبح اتجاه الدول التي في محورها نحو المحور العربي، وهو نفسه ما فعله بشار الأسد سابقا”.
ويبين الياسري، أن “أهمية المنظومة العربية وتوحدها هو لكسر الكماشة التركية – الإيرانية الدبلوماسية، والسوداني قد تحرك ضمن فضاء الدول العربية ضمن النفوذ الأمريكي لكسب دعم هذه الحكومات، كي يقوم بالتأقلم حول الوضع في سوريا، منطلقا من قضية عودة داعش وهي أبرز المخاوف التي تشترك بها مع جميع الدول المحاذية”.
ويستطرد أن “داعش إذا تمكن من الوصول إلى الأنبار، فقد أصبح على أعتاب السعودية وهذا ما يجعل العراق يذهب باتجاه بناء موقف داخلي نحو المنظومة العربية، كي يعطي قوة للرؤى التي يريد أن يصدرها ضمن المفكرة السورية الداخلية، ويجعل الأمر منظما بالتعامل مع دول الفضاء الأمريكي، فضلا عن محاولة تجنبه لاحتمالات وتطورات وتأثيرات ربما تكون قادمة في سوريا بعد دخول إسرائيل للأراضي المطلة على لبنان والأردن وسوريا، وهي كلها تمثل خشية لدى العراق من تفاعلها أكثر”.
واضاف ان “العراق أيضا يحاول إيصال رسائل للجانب الأمريكي بما يخص الفصائل، عبر الهدوء والاتجاه بقراره الداخلي السياسي نحو الدول العربية، وقد أصبح منفكا عن التأثيرات الإيرانية، ولكن كل هذه الرسائل ليس لها جدوى دون أن تكون مصحوبة بتفاهمات داخلية تدعم حركته خارجيا، لأن حركته في الخارج دبلوماسيا لن تؤثر إذا لم تكن مشفوعة بقرار داخلي ثابت يطمئن دول الجوار والولايات المتحدة”.
ويدعو السوداني إلى “الانطلاق بتثبيت القرار الداخلي قبل انطلاقه خارجيا بجولات عربية، لأن المبادرات يجب أن تكون حقيقية، وليست مبادرات طوارئ، وبالتالي فعلى العراق إثبات الفعل ثم تصديره للخارج عبر المسار الدبلوماسي”.
ونقلت وسائل إعلام عن “مصادر سياسية”، يوم السبت الماضي، عن نقل بلينكن رسائل “تهديد” مباشرة إلى السوداني بشأن الفصائل المسلحة المدعومة من إيران في العراق، ومستقبل تلك الفصائل وتحركاتها”.





























