بقلم: حسن فليح
كاتب ومحلل سياسي
لم يكن بكاء غالب الشابندر على الهواء مجرّد انفعال عاطفي لرجل سياسة تجاوز السبعين، كما لم يكن دخول نوري المالكي إلى المستشفى بعد نوبة قلبية حدثًا عابرًا. كلا المشهدين يكشفان عن علامات انهيار داخلي في بنية المنظومة السياسية الشيعية، التي لطالما تصرفت بثقة مطلقة منذ 2003، كأن الحكم حق مقدّس لا يُناقَش ولا يُنزع .
الشارع يرفضهم، الضغط الدولي يتصاعد، والمشهد يترنّح. وعندما يبكي السياسيون علنًا، ويُصاب الزعماء بوعكاتٍ قلبية، فاعلم أن النهاية قد بدأت بصمتٍ ثقيل واعتراف غير مباشر بالهزيمة.
خذلان النفس… دموع من الداخل
الشابندر، بوصفه أحد أبناء المنظومة، لم يكن شاهدًا محايدًا على التجربة، بل كان جزءًا منها . داعمًا حينًا، منتقدًا حينًا، ومُبرّرًا أحيانًا أخرى. دموعه على الهواء كانت اعترافًا خفيًا بأن المشروع الذي آمن به، أو سوّقه، أو سكت عن انحرافه، قد سقط.
بكى لأنه رأى كل شيء يتهاوى . الدولة، والمذهب، وسمعة التيار، واحترام الناس. بكى لأنه أدرك، ربما متأخرًا ، أن الشعارات كانت أكاذيب، وأن الشعب الذي صبر، انقلب الآن على الجميع . بكى لأن كل شيء يُبنى على الكذب والخديعة لن يستمر .
السقوط الجسدي… المالكي نموذجًا
في اللحظة ذاتها تقريبًا، أُدخل نوري المالكي إلى المستشفى بعد نوبة قلبية. الرجل الذي اعتقد أنه حصين سياسيًا ومدعوم إيرانيًا ودوليًا، بات اليوم مريضًا جسديًا ومُحاصرًا شعبيًا، ومُستنزفًا معنويًا.
وما المرض هنا إلا انعكاس نفسي لصورة أكبر: صورة منظومة حكمٍ اهتزّت من الداخل وفقدت ما تبقى من تماسكها. فمن يحكم باسم الطائفة، ثم يفشل في تأمين الكهرباء والخدمات والكرامة، لا بد أن يسقط .
فصل: الإسلام السياسي الشيعي… السقوط المدوي وظله الثقيل على المذهب
ليس ما يحدث اليوم مجرد إخفاق سياسي لجماعة دينية، بل انهيار شامل لمشروع الإسلام السياسي الشيعي في العراق، الذي وُلد بوعد “الخلاص”، وانتهى بواقع “الاختطاف والخراب”.
لقد تحوّل هذا المشروع من تجربة مأمولة إلى منظومة فاسدة معزولة، تُنتج الاستبداد بدل الإصلاح، وتُرسّخ الفساد بدل العدل، وتُسيء للمذهب بدل خدمته.
فشل عمّم التهمة
الشيعة لم يخسروا السلطة فقط، بل خسروا معها صورة مذهبهم أمام شعبهم. صار الفساد شيعيًا، والطائفية شيعية، والميليشيات شيعية، وكأن التاريخ كلّه يُلقى الآن على أكتاف البسطاء، لا على من قرروا الحكم باسم الدين وفشلوا.
المذهب رهينة المشروع السياسي
لقد أُلصق المذهب بتجربة فاشلة، حتى بات كثير من الناس يربطون بين العمامة والسرقة، وبين الشعارات الحسينية والقتل على الهوية. وهذه كارثة أخلاقية وثقافية أكبر من خسارة مقعد في البرلمان .
العراق لا يُحكم بالمذهب… بل بالعدالة
ما يجري اليوم هو إعلان واضح بأن العراق لا يمكن أن يُقاد بدولة دينية مذهبية. لا الشيعة نجحوا حين حكموا باسم الطائفة، ولا السنة حين جُرّبوا في مراحل أخرى. العراق بلد متعدّد، لا يُبنى إلا على دولة مواطنة مدنية، تحتكم للقانون، لا للعقيدة؛ للمساواة، لا للمحاصصة؛ وللعدالة الاجتماعية، لا للغنيمة الطائفية.
المشروع المذهبي سقط، والدموع لا تمسح الفشل… ما يمكن أن يُعيد العراق إلى الحياة، هو دولة عابرة للطوائف، تُنقذ الجميع من لعنة التجربة، ومن أوهام التمكين على حساب الآخرين .



























