بقلم: هاشم الحمامي
منذ احتلال العراق في عام 2003، دخل العراق في مرحلة جديدة من تاريخه السياسي، اتسمت بإقامة نظام مشوه يدعي الديمقراطية بني على أسس طائفية وعرقية، مما أدى إلى تقويض مفهوم الدولة الوطنية وتحويل السلطة إلى أداة تخدم مصالح أحزاب وفصائل مرتبطة بالخارج. وعلى مدى أكثر من عقدين، لم يتمكن هذا النظام من تحقيق الاستقرار السياسي والاقتصادي والأمني، بل أدى إلى تفشي الفساد، وانتشار المحاصصة السياسية، وترسيخ التبعية لإيران، الأمر الذي أفقد العراق استقلاله وسيادته.
اعتمد النظام السياسي العراقي بعد 2003 على مبدأ المحاصصة الطائفية والعرقية، ما جعل مؤسسات الدولة رهينة لتوازنات القوى السياسية، وليس للكفاءة والمصلحة الوطنية. هذا النهج أدى إلى ضعف مؤسسات الدولة، وانعدام الرؤية التنموية، وعجز الحكومات المتعاقبة عن تقديم الخدمات الأساسية للمواطنين.
إلى جانب ذلك، أصبح الفساد مستشريًا في جميع مفاصل الدولة، من السلطة التشريعية التي تحولت إلى ساحة صفقات سياسية، إلى السلطة التنفيذية التي غرقت في شبكات الفساد والنهب المنظم، وصولًا إلى القضاء الذي بات عاجزًا عن محاسبة المسؤولين الفاسدين بسبب التواطؤ السياسي.
أما على المستوى السيادي، فقد تحول العراق إلى تابع لإيران، حيث باتت طهران تتحكم في قراراته الاستراتيجية، سواء فيما يتعلق بالسياسة الداخلية أو الخارجية. والميليشيات المسلحة المدعومة من إيران أصبحت القوة الحقيقية على الأرض، متجاوزة سلطة الدولة ومؤسساتها، ما جعل العراق عاجزًا عن اتخاذ قرارات تحقق مصلحته الوطنية بعيدًا عن النفوذ الإيراني.
استمرار هذا الوضع لم يعد مقبولًا في ظل الغضب الشعبي المتزايد، والذي انعكس في الاحتجاجات الشعبية منذ 2019، حيث طالب العراقيون بإنهاء الهيمنة الإيرانية، ومكافحة الفساد، وبناء دولة مستقلة قائمة على الكفاءة والمواطنة.
وقد واجهت المليشيات المسلحة المرتبطة بإيران وبعض الأحزاب السياسية المشاركة في السلطة هذه الاحتجاجات الشعبية بالتصفيات الجسدية والعنف والقمع الممنهج أمام صمت وتفرج الحكومة المركزية في بغداد.
إن التغيير في العراق لم يعد خيارًا، بل بات ضرورة حتمية للحفاظ على وحدة البلاد واستعادة سيادتها. هذا التغيير لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال حراك شعبي واسع، مدعومًا بجهود دولية، خاصة من الولايات المتحدة، التي تتحمل مسؤولية قانونية تجاه العراق بعد احتلاله عام 2003.
ولإنقاذ العراق من أزمته، لا بد من اتخاذ خطوات جريئة، تشمل الآتي:
- إعادة صياغة الدستور بما يضمن إنهاء المحاصصة الطائفية والعرقية، ويؤسس لدولة مدنية قائمة على المواطنة والكفاءة.
- تفكيك الميليشيات المسلحة وإعادة بناء الجيش والقوات الأمنية على أسس مهنية بعيدًا عن الولاءات الخارجية.
- مكافحة الفساد بجدية من خلال إصلاح القضاء، ومحاسبة الفاسدين، واستعادة الأموال المنهوبة.
- استعادة القرار السيادي عبر إنهاء النفوذ الإيراني، وبناء علاقات متوازنة مع دول الجوار على أساس المصالح المشتركة.
- الحصول على دعم دولي من الأمم المتحدة، لتسهيل عملية الإصلاح السياسي ومواجهة التحديات الأمنية والاقتصادية.
العراق يقف اليوم أمام مفترق طرق، فإما أن يبقى رهينة للفساد والهيمنة الأجنبية، أو أن ينهض بشعبه وقواه الوطنية لاستعادة سيادته وبناء مستقبله. التغيير ليس سهلًا، لكنه لم يعد مستحيلًا.



























