بقلم: ا.د هاشم الحمامي
مقدمة: فجر مؤجل… ووطن يتنفس تحت الركام:
منذ أكثر من عقدين، والعراق كطائر جريح يحاول أن يحلق من جديد، لكن جناحيه مثقلان بقيود الخارج وخناجر الداخل. وطن كان يوماً منارة الشرق، تحوّل إلى ساحة صراع تتلاقى فيها مصالح القوى الكبرى وتتصادم فيها الأجندات الطائفية والمصالح الإقليمية. فهل قُدِّر لهذا الوطن أن يظل في غرفة الإنعاش السياسي؟ أم أن ساعة الإفاقة تقترب؟ هذا السؤال لم يعد هاجس النخب فقط، بل صار نبضاً يومياً في وجدان كل عراقي أنهكه الانتظار.
العراق أسير الصراع الإقليمي:
منذ عام 2003، يعيش العراق واقعاً سياسياً مضطرباً، تتقاذفه أمواج التدخلات الإقليمية والدولية. فالغزو الأمريكي لم يكن مجرد تغيير للنظام، بل فتح الباب أمام سباق محموم للنفوذ، كان اللاعبان الأبرز فيه هما الولايات المتحدة وإيران. وإذا كانت الهيمنة الأمريكية قد تجسدت عسكرياً ومؤسساتياً، فإن النفوذ الإيراني تشكل طائفياً واقتصادياً، واستغل هشاشة النظام السياسي لإحكام قبضته على مفاصل الدولة.
وقد أفرزت هذه التدخلات نظاماً مشوهاً قائماً على المحاصصة الطائفية والولاءات الخارجية، ساهم في إقصاء الكفاءات وتغييب الإرادة الوطنية. فغالبية القوى السياسية التي تصدرت المشهد بعد 2003، كانت وما تزال مرتبطة بأجندات خارجية، تدين بالولاء لا للوطن بل لمن أوصلها إلى السلطة، مما جعل القرار العراقي رهينة لإملاءات إقليمية، وفي مقدمتها إيران.
ولم يعد خافياً على أحد، بعد السابع من تشرين الأول(أكتوبر) 2023، أن بغداد أضحت ساحة مواجهة مفتوحة بين المحور الأمريكي-الغربي، ومحور إيران ووكلائها في المنطقة. هذه المواجهة لم تعد تُدار من وراء الستار، بل باتت تفرض نفسها على يوميات المشهد العراقي سياسيا وأمنياً واقتصادياً.
إيران… المشروع الأكبر لعرقلة العراق:
منذ اللحظة الأولى لأحتلال بغداد، عملت طهران على بناء نفوذها داخل العراق بطريقة ممنهجة ومدروسة. فالعراق بالنسبة لإيران ليس مجرد جار، بل رئة اقتصادية تتنفس منها في ظل العقوبات، وميدان نفوذ سياسي وأيديولوجي يسند مشروعها الإقليمي. لذلك سعت بكل قوتها إلى اختراق مؤسسات الدولة، وزرع الموالين لها في مواقع القرار، وإضعاف الهوية الوطنية لصالح الهويات الفرعية المرتبطة بها.
تغوّل النفوذ الإيراني في العراق تجاوز البُعد السياسي إلى الاقتصاد والمال؛ فنهب الثروات، وتحويل العملة الصعبة، والسيطرة على المنافذ الحدودية، جميعها أدوات استخدمتها طهران لتعويض ما خسرته من العقوبات الأمريكية والدولية. والأخطر من ذلك، أن النفوذ الديني الطائفي جعل العراق جزءًا من الخيال الإمبراطوري الفارسي، مستندًا إلى رمزية المراقد والمظلومية التاريخية لتغذية خطاب الهيمنة.
هل هناك أمل؟
إن السؤال الذي يطرحه كل عراقي بمرارة: متى يستعيد وطني سيادته؟ ومتى يعود القرار عراقياً خالصاً؟
الإجابة المؤلمة ولكن الواضحة: ما دام نظام الملالي في طهران ممسكًا بخيوط المشهد العراقي، فلن تنهض بغداد من كبوتها.
التحرر من الهيمنة الإيرانية هو الشرط الأول والأساس لأي مشروع إصلاح سياسي حقيقي. فبدون كسر تلك القيود، سيظل العراق يدور في حلقة مفرغة من الفوضى والفساد والتبعية.
خاتمة: فجر العراق… لن يغيب إلى الأبد
رغم السواد المخيم، إلا أن شمس العراق لم تغب بعد. فالتاريخ علمنا أن الشعوب، وإن طالت معاناتها، لا تموت. هناك في العراق اليوم جيل جديد يرفض أن يرث الهزيمة، ووطنيون شرفاء يتحفزون للساعة التي تُفتح فيها أبواب التغيير الحقيقي.
حين يسقط نظام القهر في طهران، سيكتشف العالم أن العراق لم يكن ميتاً، بل كان ينتظر لحظة الفجر. وعندها فقط، سينهض من تحت الرماد، لا كجريح، بل كرمز سيادي جديد في الشرق الأوسط.
فهل يقترب اليوم الذي يُرفع فيه الغبار عن بغداد، وتُكتب فيه أولى صفحات العراق الحرّ؟

























