بقلم: ذكرى البياتي
لم يكن هناك شيءٌ عندي محدودًا أو معقدًا…كان كل شيءٍ عابرًا، حديثًا يتنقّل بيننا كالريح، لا يستقرّ طويلًا، وكأننا كنّا نلعب لعبةً لا نعرف إلى أين ستأخذنا.
لم أكن أعرف أن كلماتك، ومتابعتك لي، واهتمامك بالتفاصيل الصغيرة، ستكون بذورًا ستنمو في داخلي طوال العمر، وبشكلٍ يفوق تصوّري وأحلامي.
في البداية كنت أظن أن كل شيءٍ بسيط…حديثٌ ينتهي، وضحكةٌ تمرّ، وكلماتٌ تُقال ثم تمضي كما تمضي الأشياء العابرة. لكن مع مرور الوقت، أصبح اللعب والحديث معك ركيزةً في أيامي، شيئًا أبحث عنه دون أن أشعر، وأنتظره دون أن أعترف لنفسي بانتظاره.
ثم بدأت الكلمات تتغيّر…لم تعد مجرد كلمات، والضحكات لم تعد مجرد ضحكات. كان هناك شيءٌ آخر يتسلل بهدوء، يكبر بين السطور، ويتسلل إلى القلب دون استئذان.
شيئًا فشيئًا، أصبحت تلك الأحاديث تملأ قلبي فرحًا، وأصبحت أراها جزءًا من يومي، ثم جزءًا من حياتي… جزءًا يصعب عليّ أن أفكّ نفسي منه أو أبتعد عنه.
ولم أدرك متى حدث كل ذلك.
متى تحوّل العابر إلى باقٍ؟ومتى أصبح الحديث ذكرى؟ومتى أصبحت الضحكة التي كانت تمرّ سريعًا، شيئًا أعود إليه كلما اشتقت إلى زمنٍ كان فيه للقلب حديثٌ آخر؟
مرّ بي الوقت…أو لعلني أنا التي أمرّ به من خلال ذكرياتي.
فبعض الذكريات لا تسكن الماضي، بل تسكننا نحن.نحملها معنا أينما ذهبنا، وتعود إلينا أحيانًا دون موعد، في كلمة، أو أغنية، أو مكان، أو حتى في لحظة صمت طويلة.
وأصبح الكلام يكبر بيننا، أحيانًا على الأفواه، وأحيانًا أخرى في الصمت…فليس كل ما نشعر به يحتاج إلى أن يُقال، وليس كل ما يُقال يستطيع أن يشرح ما في القلب.
كانت هناك أشياء كثيرة نفهمها دون أن نتحدث عنها، ونشعر بها دون أن نمنحها اسمًا.
وربما كانت أجمل الأشياء هي تلك التي بدأت بلا موعد، وبلا وعد، وبلا نية لأن تصبح شيئًا كبيرًا…
ثم كبرت.
كبرت حتى أصبحت ذاكرة لا تمضي، وحكاية كلما حاول الزمن أن يطوي صفحاتها، أعاد القلب فتحها من جديد.
وعرفت متأخرةً أن بعض الأشياء لا تدخل حياتنا لتبقى فيها إلى الأبد، لكنها تترك في أرواحنا أثرًا… يبقى معنا إلى الأبد.
وهكذا كان كل شيء في البداية عابرًا…
إلا الأثر.





















