بقلم: الدكتور اسماعيل الجنابي
تحدثنا في مقالات تحليلية سابقة عن امكانية عودة المواجهة المباشرة بين إسرائيل وإيران و تبادل الضربات الصاروخية والغارات الجوية في مواقع متعددة ، ما أفرز تداعيات استراتيجية وسياسية واقتصادية بالغة الخطورة على منطقة الشرق الأوسط والعالم، خصوصاً ان المواجهة تزامنت مع وجود الوفد الباكستاني الذي يترأسه وزير الداخلية “محسن نقوي” وهذا مايؤكد ان العالم باسره كان يشاهد مسرحية المفاوضات بين الاطراف المتخاصمة خارج حدود النص المكتوب للممثلين وطبيعة ادوارهم ضمن عنوان مؤثر حمل اسم “مفاوضات تحت صفيح ساخن” لمخرجه العالمي دونالد ترامب .
ان خروج الصراع من الظل الى العلن و الانتقال من “حرب الوكلاء” الى المواجهة الرسمية ، اكدت بما لايقبل الشك ان مسرحية التهدئه وحالة اللاحرب واللاسلم ستنتهي فصولها الى نقطة البداية بسبب هشاشة الارضية التي يقف عليها المفاوضين والوسطاء على حد سواء بسبب فقدان مبدأ الثقة بين الاطراف المتصارعة وهذا ماجعل خرق اتفاق وقف اطلاق النار سهلاً وقائماً طيلة فترة التفاوض وفشل مساعي التهدئة وعودة التصعيد الميداني ليضرب عرض الحائط بجهود التسوية الدبلوماسية والمساعي التي قادتها الولايات المتحدة وشركاؤها لإبرام اتفاقيات، ما أظهر هشاشة اتفاقيات وقف إطلاق النار المؤقتة ، بدليل ان المواجهة اندلعت أثناء وجود الوسيط الباكستاني ما عكس حجم التعقيد الميداني، وصعوبة كبح جماح التصعيد العسكري الإقليمي رغم وجود قنوات اتصال نشطة وقد أثبتت التطورات الجارية مركزية الحليف الأمريكي؛ حيث أكدت القيادة الإسرائيلية مراراً أن أي قرار بالتصعيد الشامل يجري بالتنسيق المباشر مع واشنطن، وسط تلويح أمريكي بضرورة ضبط النفس لإنهاء حرب الاستنزاف هذه ، ما ادت الى تغير في الحسابات الإقليمية ودخول قواعد اشتباك جديدة بين إيران واسرائيل وفرض “معادلة ردع” جديدة
ترامب في السر ليس كما في العلن
تصريحات الرئيس دونالد ترامب التي سبقت الرد الإسرائيلي على ايران تعكس بالفعل فجوة واضحة ومقصودة بين خطابه العلني والتحركات الإستراتيجية التي تجري في الغرف المغلقة ولنا في هذه الخاصية شواهد كثيرة لم يتعض منها الجانب الايراني ، اخرها ليلية القصف الصاروخي الايراني على اسرائيل وتصريحات ترامب النارية التي قال فيها انه اقنع نتنياهو بعدم الرد على الهجوم الايراني لضمان اتمام الاتفاق معها وانه الوحيد الذي يمسك زمام الامور في التفاوض ونتفاجئ بعد ساعات من حديثة قيام اسرائيل بشن ضربات قاصمة على مخازن الصواريخ ومنظومات الدفاع الجوي ومصانع البتروكيماويات الايراني ولهذا يحرص ترامب علناً على إطلاق تصريحات نارية تجاه إيران وذلك لطمأنة اللوبي الداعم لإسرائيل في واشنطن، والتأكيد على التزام بلاده الصارم بأمن تل أبيب لدرجة قوله “لن يتبقى شيء من إيران إن لم تتحرك” ودعواته لضبط النفس لتجنب أزمة الطاقة ولكن بالمقابل، يخرج علناً ليطالب الطرفين بـ “وقف إطلاق النار فوراً” والابتعاد عن قطاعات الطاقة والنفط الإيرانية ، الهدف من ذلك منع قفزات أسعار النفط وحماية الاقتصاد العالمي ومضيق هرمز من الشلل، وهو ما قد يضر بشعبيته الداخلية وفي العلن تبدو أمريكا وإسرائيل كأنهما تقودان المعركة كتفاً بكتف، ولكن خلف الستار، يمارس ترامب ضغوطاً شديدة لمنع رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو من الانجرار إلى ضربات تخرج عن السيطرة (مثل قصف المنشآت النووية الكبرى أو البتروكيماويات للبحث عن صفقة تضمن تجميد السلاح النووي الإيراني وتمنحه نصراً تاريخياً دون التورط في حرب برية استنزافية لا نهاية لها ، لهذا نرى تقلباً واضحاً وجلياً في مواقفه المتأرجحة في العلن على خلاف مايضمره في السر ، ليرضي حساباته السياسية.
توقعات سيناريوهات المستقبل
تضع هذه المواجهة المنطقة أمام مفترق طرق ولن يكتفي الطرفان طوعاً بهذا الحد من الرد، فالمنطقة تقف حالياً على فوهة بركان مرشح لـ “مفاجآت عسكرية صادمة”، ما لم تنجح الضغوط الدبلوماسية الهائلة التي يمارسها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في فرض “اتفاق اللحظة الأخيرة”. خصوصاً وان الغارات الإسرائيلية الأخيرة لم تعد تقتصر على القواعد التقليدية، بل طالت منشآت حيوية وأنظمة دفاع جوي حول طهران وأصفهان، فضلاً عن استهداف قيادات عسكرية رفيعة ، الأمر الذي يراه نتنياهو في هذه الجولة “فرصة تاريخية” لمنع إيران من امتلاك القنبلة النووية، ما يعني أن تل أبيب قد تبادر بضربة مباغتة أقوى إن شعرت بتراجع الضغط الأمريكي من المحتمل ان ينتج عنه:
- استمرار حرب الاستنزاف و تبادل مدروس للرسائل النارية العنيفة وتراشق محدود يهدف لليّ الأذرع دون الانزلاق إلى دمار إقليمي شامل.
- التصعيد الشامل الذي يذهب بالاحداث الى الانفجار الكامل للحرب الإقليمية المدمرة، وهو السيناريو الذي تحاول القوى الكبرى (وعلى رأسها الولايات المتحدة) تجنبه نظراً لتكلفته البشرية والاقتصادية الباهظة.
- المفاجآت الكبرى المحتملة تتمثل باقدام ايران على الاغلاق الكامل لمضيق هرمز واستهداف ممرات الملاحة في البحر الأحمر والمحيط الهندي ما يحدث صدمة اقتصادية وقفزة جنونية في ارتفاع اسعار النفط و دخول “حزب الله” اللبناني والفصائل في العراق واليمن بجولات قصف صاروخي متزامن ومكثف لاستنزاف منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية (القبة الحديدية ومقلاع داوود). ولعل الامر الصادم لترامب ، إذا رفضت طهران شروط التفاهم الأمريكية، قد يأمر ترامب فجأة بمشاركة قاذفات “B-2” الإستراتيجية لتوجيه ضربة شلل وتدمير شامل للبنية التحتية والمنشآت النووية الإيرانية الحيوية لإجبارها على الاستسلام المباشر.
























