بقلم: الدكتور اسماعيل الجنابي
تخضع السيطرة الحقيقية على قرار التفاوض مع الولايات المتحدة للمرشد الأعلى مجتبى خامنئي والدائرة المقربة منه، مدعومة بنفوذ متزايد من جنرالات الحرس الثوري بقيادة أحمد وحيدي، ممن يملكون الكلمة الفصل في فرض الشروط وإجهاض الاتفاقيات ، وتتوزع خريطة النفوذ وصناعة القرارالتفاوضي الحالي كالتالي:
- صاحب القرار الفعلي والأخير: هي الدائرة اللصيقة بالمرشد مجتبى خامنئي التي ترسم الخطوط الحمراء وقد تدخلت هذه الدائرة مؤخراً لتوبيخ الفريق الدبلوماسي، وأصدرت أوامر مباشرة باستبعاد الملف النووي من المحادثات، وفرضت شروطاً صارمة (مثل عدم تقديم تنازلات تخص البرنامج الصاروخي أو النفوذ في مضيق هرمز)
- الجهة المهيمنة على الأرض: تتمثل بقائد الحرس الثوري أحمد وحيدي والجنرالات المسيطرة ميدانياً على النفوذ سياسي مطلق. فعلى سبيل المثال، عندما أعلن وزير الخارجية عباس عراقجي عن التوصل لتفاهمات لفتح مضيق هرمز، قامت القوات البحرية للحرس الثوري مباشرة بإطلاق النار على السفن لإفشال الاتفاق وعرض قوتها أمام واشنطن.
- الفريق التنفيذي المفاوض: بقيادة رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وفريق التفاوض الرسمي الذي يقود المحادثات الدبلوماسية التي أسفرت مؤخراً عن مسودة تفاهم لوقف إطلاق النار لمدة 60 يوماً)، إلا أن صلاحياته مقيدة بشدة؛ حيث يضطر لتبني خطاب متشدد علناً لإرضاء الحرس الثوري، مؤكداً أن “إيران تأخذ التنازلات بالصواريخ لا بالحوار”، لتعويض تراجع نفوذه السياسي أمام نفوذ وحيدي.
ولهذا يسعى قائد الحرس الثوري أحمد وحيدي لإقصاء وتهميش محمد باقر قاليباف لحسم الصراع الداخلي حول هوية النظام الإيراني الجديد، وتثبيت الهيمنة المطلقة لمؤسسة الحرس الثوري على قرار الحرب، والسلم، والتفاوض مع واشنطن لاعتبارات عديدة تتمثل بالصدام الاقصائي العقيم بين الأيديولوجيا المتشددة والبراغماتية ، حيث يسعى احمد وحيدي وجنرالاته الى بناء تحالف متشدد مع القائد السابق للحرس الثوري “محمد علي جعفري” صاحب العقيدة الثورية المقاومة المستمرة ، على اعتبار ان أي مرونة تفاوضية ستشكل خطراً على وجود النظام ، في حين ينتهج محمد باقر قاليباف السياسة الواقعية البراغماتية لإيجاد صيغ تفاهم مرنة ومخارج دبلوماسية للحرب لتفادي الانهيار الاقتصادي، وهو ما يراه الحرس الثوري ضعفاً وتقديم “تنازلات مجانية” لأمريكا
السيطرة التامة على “قرار التفاوض”
يسعى احمد وحيدي بشكل مباشر إلى تقييد سلطة قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي في مباحثات إسلام آباد ومنعهم من تقديم اي تنازلات تمس الملفات الاستراتيجية للحرس، وعلى رأسها البرنامج الصاروخي، والنفوذ البحري في مضيق هرمز، وبرنامج اليورانيوم ولهذا يسهى وحيدي الى تعبئة القواعد الشابة الأكثر تشدداً في الحرس الثوري والباسيج ممن يتهمون النخبة التقليدية الممثلة برئيس البرلمان بالفساد المالي داخل الحرس الثوري القديم وان إقصاءه يعد خطوة ضرورية لتطهير النظام وإعادة صياغته أيديولوجياً ولهذا يسعى وحيدي وجنرالاته المتشددين الى التموضع المؤثر داخل الحلقة المقربة من المرشد الجديد مجتبى خامنئي والاستفراد بقراراته وهذا يؤكد بما لايقبل الشك ان المرشد الفعلي في ايران ليس المرشد الجديد وانما “المرشد الثوري العسكري” وهذا يعني ان النظام الايراني تحول بعد مقتل السيد علي خامنئي من نظام ثيوقراطي ديني الى ثيوقراطي أمني وعسكري يحكمه الحرس الثوري بشكل مباشر”، متجاوزاً البرلمان والرئاسات المدنية بالكامل ولهذا يقف قائد الحرس الثوري أحمد وحيدي حجر عثرة أمام مفاوضات إيران مع الولايات المتحدة لحماية المكاسب الاستراتيجية والعسكرية للحرس الثوري، ومنع أي اتفاق سياسي يرى أنه قد يضعف بنية النظام الأيديولوجية أو ينهي نفوذه الإقليمي لحماية “الخطوط الحمراء” العسكرية المتمثلة برفض التنازلات التعجيزية التي تتعلق بالبرنانج النووي وملف الصواريخ بشكل قاطع والتمسك بمضيق هرمز كونه يشكل ورقة ضغط مؤثرة والتمسك بالعقيدة القتالية الممثلة بـ”محور المقاومة” لان وقف إطلاق النار أو إنهاء حالة المواجهة مع واشنطن وتل أبيب التي يتبناها قاليباف وفريقه التفاوضي ، يعني بداية تفكيك شبكة حلفاء إيران الإقليميين مواجهة البراغماتية: يعتبر أي صيغة سلام يطرحها فريق قاليباف بمثابة “استسلام سياسي” يجهض عقيدة الحرس الثوري القائمة على المواجهة ، يضاف الى ذلك الحفاظ على المصلحة الاقتصادية والنفوذ الداخلي التي يعتاش عليها الحرس الثوري مالياً وسياسياً
النتائج والتوقعات
بات مستقبل التيار “الثيوقراطي العسكري” في إيران يتأرجح بين فرض “دولة أمنية مغلقة” في الداخل ومسار حتمي من “المواجهة والاستنزاف” في الخارج ، خصوصاً في ظل إقصاء الوجوه ، مايعني ان الحرس الثوري بات يحكم إيران رسمياً بعباءة مجتبى خامنئي لتتحول إيران رسمياً من نظام ديني تقليدي تتوزع فيه الصلاحيات، إلى نظام عسكري مباشر يبتلع البرلمان والمؤسسات المدنية بالكامل والرافض للتنازلات رغن الخناق المالي، مما يزيد من معدلات التضخم وانهيار العملة ، الأمر الذي قد يشعل الانفجار الشعبي وحصول اضطرابات داخلية واسعة قد تدفع البلاد نحو سيناريوهات خطيرة مثل النزاعات العرقية أو التحول الفيدرالي القسري (خاصة في أقاليم الأكراد وبلوشستان) وعلى المستوى الخارجي ، نعتقد ان التيار العسكري سيفعل ورقة ابتزاز الممرات المائية و فرض قيود ملاحية ورسوم عسكرية، ما يبقي أسواق الطاقة العالمية في حالة تأهب وقلق مستمروهذا ما يجعل انسداد المسار الدبلوماسي الدائم في ظل شروط إدارة ترامب الصارمة (التفكيك الفيزيائي للنووي) وتعنت صقور طهران، تصبح تفاهمات الـ 60 يوماً مجرد “هدنة مؤقتة لالتقاط الأنفاس” وليست سلاماً مستداماً، ما يرفع احتمالات العودة للتصعيد العسكري المباشر ، قد يفضي الى تحول استراتيجي في الخليج بفضل النهج الإيراني المتشدد إلى تعميق الفجوة الإقليمية ، حيث ستتجه بعض القوى (مثل الإمارات) لتعزيز تحالفاتها العسكرية والاستخباراتية المباشرة لردع طهران، بينما ستسعى قوى أخرى (مثل السعودية) للتحوط الجيواقتصادي عبر خطوط أنابيب بديلة تتجاوز الخليج العربي.

























