بقلم: أ. د. محمد طاقة
تُعد سياسة ((الحمائم والصقور)) واحدة من
ابرز الأدوات التي تستخدم في ادارة الصراعات والعلاقات الدولية ، حيث يجري توزيع الأدوار بين طرف يبدو معتدلاً يسعى للحوار ، وآخر متشدد يمارس الضغط والقوة .
وفي هذا السياق يبرز النموذج الإيراني بوصفه مثالاً واضحاً على توظيف هذه الاستراتيجية لخدمة اهداف سياسية وأيديولوجية تتجاوز حدود الدولة .
يقوم النظام الإيراني ، بطبيعته الثيوقراطية ، على مبدأ الجمع بين السلطة الدينية والسياسية ، حيث يحتكر القرار النهائي ((الولي الفقيه)) الذي يحدد الاتجاهات الكبرى ويقسم الأدوار بين مؤسسات الدولة المختلفة ، وفي هذا الإطار يظهر الجناح السياسي الرسمي بمظهر (( الحمائم )) من خلال الانخراط في العلاقات الدبلوماسية وبناء الروابط الاقتصادية مع دول العالم ، بينما يتولى ((الحرس الثوري )) دور الصقور عبر ادارة شبكات النفوذ الإقليمي وممارسة ادوار أمنية وعسكرية معقدة داخل ايران وخارجها .
هذه الازدواجية ليست مجرد تباين في الأساليب بل هي تكامل وظيفي يهدف تحقيق غاية واحدة ، الحفاظ على بقاء النظام وتعزيز نفوذه ، فبينما تتحدث ((الحمائم)) بلغة الحوار والتفاهم ، تمارس ((الصقور )) سياسة فرض الأمر الواقع ، عبر ادوات متعددة تشمل الدعم العسكري لجماعات مسلحة والتدخل غير المباشر في شؤون دول اخرى .
والحقيقة ان ((الحمائم ))و((الصقور )) وجهان لعملة واحدة ، يسعيان كلاهما إلى الحفاظ على السلطة وعلى المكاسب التي يتمتعون بها ، وكلاهما ينفذان القرارات التي تصدر اليهم من ((الولي الفقيه)) ، صاحب السلطة الدينية والدنيوية ، والذي يقسم الأدوار بينهما .
وتتجلى هذه السياسة بوضوح في مسار المفاوضات مع الولايات المتحدة الأمريكية، حيث يبدو ان هناك توزيعاً مدروساً للأدوار ، جناح يظهر مرونة واستعداداً للتنازل في بعض القضايا ، مقابل جناح متشدد يضع خطوطاً حمراء ، خصوصاً فيما يتعلق بالبرنامج النووي والصاروخي . هذا الأسلوب لا يهدف فقط إلى تحسين شروط التفاوض ، بل ايضاً إلى كسب الوقت ، بما يسمح بإعادة ترتيب القدرات وتعزيز اوراق القوة .
ان كسب الوقت يشكل عنصراً محورياً في هذه الاستراتيجية ، اذ يتيح للنظام الإيراني امتصاص الضغوط الاقتصادية والسياسية ، والعمل على اطالة عمره ، رغم التحديات والخسائر الكبيرة التي تكبدها والتي بلغت ما يقارب ال (250)مليار دولار .
ومن هنا تبدو المفاوضات وكأنها جزء من لعبة اكبر ، تدار بعناية بين المناورة والمراوغة
والسؤال هنا هل ان أمريكا تدرك ما تمارسه ايران خلال هذه المفاوضات ؟
ان ايران تجيد اللعب على الحبال وفعلاً هي تجيد فن المفاوضات ، وبنفس الوقت تستغل الوقت لصالحها لان فلسفة هذا النظام الثيوقراطي مبنية على الكذب والمراوغة والتنصل مما يتم الاتفاق عليه ، وكما وصفهم العرب بانهم قوم (( لا عهد لهم ، ولا ذمة ، ولا وفاء ، اهل غدر ومكر ودهاء ، لا تعرف رأسهم من الذنب …)) ، لا يقتصر هذا النهج على الداخل الإيراني أو على علاقاته الدولية المباشرة ، بل يمتد إلى ما يمكن وصفه ب (( الأذرع الاقليمية )) ففي عدد من الدول العربية ، يظهر نمط مشابه من الازدواجية ، حيث توجد حكومات رسمية تمارس دور ((الحمائم)) في مقابل قوى مسلحة ومليشيات ذات نفوذ تمثل (( الصقور )) وتتحرك ضمن سياقات سياسية وأمنية معقدة . كما في لبنان ودور حزب الله واليمن ودور الحوثيين وسوريا سابقاً وكذلك في العراق الحشد الشعبي والمليشيات المسلحة ، ويمكن ملاحظة هذا التداخل بين الرسمي وغير الرسمي ، بين الدولة ومراكز القوة الموازية . ففي بعض الحالات ، تستخدم هذه الازدواجية لتبرير افعال معينة أو لنفي المسؤلية عنها ، في حين ان الواقع يشير إلى وجود ترابط عميق في القرار والتوجيه (( ، على سبيل المثال ، حين تقوم المليشيات العراقية والحشد الشعبي بتوجيه صواريخها ومسيراتها إلى كل من الكويت والسعودية وقطر والإمارات وغيره من الدول العربية ، وهذا ما تقوم به (( الصقور )) في العراق تنبري ((الحمائم )) بالدفاع عن هذه الأفعال بحجة ان هؤلاء المسلحين غير تابعين للحكومة العراقية وهكذا توزع الأدوار بينهم )) علماً ان الحكومة العراقية والمليشيات المسلحة والحشد الشعبي أوجه لعملة واحدة وجميعهم يتلقون تعليماتهم من ايران في حين أن الواقع يشير إلى وجود ترابط عميق في القرار والتوجيه .
ان هذه اللعبة المزدوجة لم تعد خافية كما في السابق ، بل باتت اكثر وضوحاً في ظل تراكم الاحداث والتجارب ، فالفصل بين (( الحمائم)) و (( الصقور)) لم يعد يقنع الكثيرين خاصة عندما تتقاطع الاهداف وتتوحد المرجعيات .





























