بقلم: الدكتور اسماعيل الجنابي
حققت أمريكا بحصارها الاقتصادي على إيران انتصاراً يفوق لغة المواجهة العسكرية المباشرة متعدد الاوجه حتى بات يمثل استراتيجية ممتدة تعتمد على الضغط المالي والتجاري بما يُعرف بـ “حرب الاستنزاف” الاقتصادية المتمثلة باستهداف الصادرات لمنع تدفق العملة الأجنبية وعزل المصارف الإيرانية عن شبكة “سويفت” الدولية و معاقبة الشركات الدولية التي تتعامل مع طهران و حجز الأموال الإيرانية في المصارف الخارجية على اعتبار ان العقوبات تتجنب الصدام العسكري المباشر التي تنهك الشعوب ، رغم ان المواجهة العسكري على المدى الزمني يحسم المعارك بشكل أسرع، بينما الاقتصاد يغير الموازين ببطء ، على اعتبار ان الضغط المالي يضعف القدرات الدفاعية للدول دون الحاجة لإطلاق الرصاص ، حيث حقق الحصار الاقتصادي نجاحاً كبيراً في تجفيف منابع الدخل التقليدية وإرهاق ميزانية النظام الايراني بشكل غير مسبوق حتى بات يؤثر اجتماعياً قد يحول الضغوط الاقتصادية إلى وقود للاحتجاجات المعيشية المتكررة داخل المدن الإيرانية نتيجة الغلاء والبطالة ، ما ادت الى خروج الشركات العالمية الكبرى من السوق الإيرانية خوفاً من العقوبات الأمريكية الثانوية.
ترامب في ميزان القوة والضعف داخل أمريكا
أصبح دونالد ترامب يمتلك سلطة تنفيذية أوسع وأكثر مركزية داخل مؤسسات الحكم الأمريكية ، إلا أنه لم يتجنب الضغوط السياسية؛ بل يواجه ضغوطاً شعبية واقتصادية حادة نتيجة الحرب مع ايران ، حيث نجح في إضعاف القيود التقليدية التي كانت تفرضها البيروقراطية الحكومية (الدولة العميقة)، وفرض توجيهات مباشرة على وزارة العدل والهيئات المستقلة بشكل غير مسبوق مقارنة بولايته الاولى ، حيث تحولت العديد من المؤسسات والشركات الكبرى والمنظمات الأهلية من وضعية “المقاومة” التي سادت في ولايته الأولى إلى وضعية “التكيف والمجاراة” لتجنب الصدام معه وبات يعتمد بشكل مكثف على المراسيم الرئاسية والقرارات المباشرة لتمرير سياساته، مثل فرض الرسوم الجمركية المشددة وإجراءات الهجرة الصارمة دون الحاجة الدائمة للعودة إلى الكونغرس ، لدرجة جعلته يمتلك قبضة قوية على الانتخابات التمهيدية للحزب، حيث تطيح رغباته وتأييده بالمعارضين له داخل معسكره السياسي ، الا انه رغم تعاظم نفوذه داخل هيكل السلطة ، يواجه ضغوطاً سياسية وشعبية ناتجة عن التداعيات المباشرة لسياساته ما ادت الى تراجع التأييد الشعبي لهو تشير استطلاعات الرأي إلى هبوط معدلات الرضا عن أدائه إلى مستويات قياسية (تتراوح بين 35% و40%)، مما يجعله يواجه جداراً من الرفض لدى أكثر من نصف الشارع الأمريكي ، قد تمكن الديمقراطيين من استعادة السيطرة على مجلس النواب نتيجة تراجع شعبيته.
النظام الايراني بين خيارين أحلاهما مُر
يواجه النظام الإيراني حالياً أحد أعقد الاختبارات البنيوية في تاريخه ،حيث يمر باختناق اقتصادي غير مسبوق ناتج عن تشديد الحصار البحري والعقوبات الأمريكية المتزامنة مع التوترات العسكرية نتج عنها إضرابات التجار، حيث امتدت موجات الاحتجاج بشكل لافت لتشمل شريحة “تجار البازار” والمحلات التجارية الكبرى في طهران والمدن الرئيسية، احتجاجاً على عدم استقرار الأسعار وخوفاً من الإفلاس وتحولت التظاهرات المعيشية والاقتصادية سريعاً إلى شعارات سياسية مباشرة تختبر قدرة الأجهزة الأمنية على الاحتواء، في ظل تكرار فترات قطع الإنترنت لضبط الشارع رغم امتلاك النظام هيكلاً غير ديمقراطي يتيح له تحمل الكلفة السياسية والشعبية الناتجة عن الأزمات المعيشية دون الاضطرار للتراجع السريع تحت ضغط الشارع مقارنة بالأنظمة الغربية واستخدامه سياسة الرد الخشن ، رغم تأثيرات الحصار الاقتصادي الأمريكي العميق الذي قوض النفوذ الإيراني داخلياً وخارجياً على الصعيد المالي والتشغيلي، لكنه أخفق في كسر النفوذ السياسي أو تفكيك العقيدة الاستراتيجية ، الا انه بنفس الوقت ادى الى تآكل الحاضنة الاجتماعية وتهاوي الريال والتضخم المستمر (الذي تجاوز 42%) ما ادى إلى تدمير الطبقة الوسطى واتساع رقعة الفقر وهذا الأمر حوّل الأزمات المعيشية إلى وقود دائم لشرارات الاحتجاج التي تضرب شرعية النظام السياسية وتستنزف أجهزته الأمنية داخلياً وعطل خطط التنمية ، وتراجع الميزانية الدفاعية المخصصة للداخل الإيراني وتطوير البنية التحتية العسكرية بسبب تقلص العائدات، ما دفع النظام الايراني لطباعة العملة لتغطية الرواتب ، وهو ما فاقم الأزمة الاقتصادية.
النتائج والتوقعات من المعركة الاقتصادية
لا يوجد منتصر حاسم بمفهوم “الضربة القاضية” في هذه المعركة، بل نحن أمام واقع فرض فيه الطرفان “معادلة إنهاك متبادل”، حيث تتفوق أمريكا بالنقاط والأرقام الاقتصادية، بينما تصمد إيران سياسياً واستراتيجياً وإذا فككنا نتائج هذه المواجهة بناءً على الأهداف المعلنة لكل طرف، نجد تفوق أمريكي ساحق بالأرقام وتدمير المؤشرات من خلال تدمير المفاصل الاقتصادية اثر نجاحها في خنق صادرات النفط الإيرانية (التي تراجعت بنسبة تصل إلى 90% في ذروة الحصار)، وعزلت إيران تماماً عن النظام المالي العالمي (سويفت) وتجميد الأصول واضمحلال العملة واحتجاز ما يقارب 100 مليار دولار من الأموال الإيرانية في الخارج وإشعال الجبهة الداخلية الإيرانية وتحويل الأزمة المعيشية والبطالة والتضخم (الذي يفوق 42%) إلى ضغط شعبي مستمر وإضرابات داخل الأسواق (البازار)، ما جعل النظام يعيش في استنزاف أمني دائم ، وكذلك تفتيت واضعاف الساحات الولائية التي يتعكز على النظام ، الا ان نستطيع القول ان الصمود الإيراني قد افشل هدف امريكا في إسقاط النظام أو تغيير سلوكه إذا كان مقياس النصر الأمريكي هو “تغيير سلوك النظام السياسي أو دفعه للاستسلام وبناء نظام جديد” مع الاخذ بنظر الاعتبار ان المعركة الأمريكية لم تكن مجانية لها ، حيث تسببت سياسة الحصار في ارتفاع أسعار الطاقة عالمياً ورفع كلفة الشحن وأسعار الوقود، ما ارتد سلباً على التضخم داخل أمريكا وأضر بشعبية ادارة ترامب ودفع إيران نحو المعسكر الشرقي والارتماء في أحضان بكين وموسكو، الامر الذي ساهم في تقوية محور موازٍ يهدد الهيمنة الأمريكية عالمياً على المدى البعيد ولهذا نجد ان لغة السلاح الاقتصادي قادرة على الخنق ولكنها عاجزة عن فرض الاستسلام الإيديولوجي ، ما يدفع هذا الإنهاك المتبادل من قبل الطرفين نحو طاولة مفاوضات لإبرام اتفاق جديد بحسابات بعيدة بعض الشيء عن “لغة المنتصر والخاسر”.























