((مكاشفة))
بقلم: هاتف الثلج
في البلدان التي أنهكتها الانقسامات، لا يصبح الإنسان مجرد اسمٍ في سجل السياسة، بل يتحول إلى امتحانٍ دائم لفكرته عن الوطن، وإلى سؤالٍ مفتوحٍ أمام ضميره كلما اشتدت العواصف وتكاثرت الرايات وتنازعت الهويات على جسد الأرض. ومن بين الشخصيات العراقية التي حضرت في المشهدين العشائري والسياسي يبرز اسم الشيخ عدنان الدنبوس، بوصفه واحدًا من أبناء مدرسةٍ ما زالت ترى أن العراق أكبر من الطوائف، وأوسع من الأحزاب، وأبقى من الصراعات العابرة التي تتغير وجوهها ويبقى أثرها الثقيل على الناس.
ينتمي الدنبوس إلى قبيلة كنانة العربية العريقة، تلك القبيلة التي يمتد حضورها في الذاكرة العربية والإسلامية قرونًا طويلة، والتي ارتبط اسمها بقيم النخوة وإغاثة الملهوف وحماية الجار وصيانة العهد. وفي العراق لم تكن كنانة مجرد اسمٍ عشائري يضاف إلى خرائط الأنساب، بل كانت جزءًا من النسيج الوطني الذي ساهم في صناعة تاريخ البلاد الاجتماعي، وشاركت عشائرها في محطات مختلفة من الدفاع عن الأرض وحفظ السلم الأهلي وترسيخ القيم العربية الأصيلة التي كانت ترى في الإنسان قيمةً قبل أن يكون عنوانًا طائفيًا أو سياسيًا.
ولعل أكثر ما يلفت النظر في تجربة عدنان الدنبوس أنه حاول أن يجمع بين إرث المشيخة العشائرية ومتطلبات العمل السياسي الحديث، فكان حضوره ضمن حركة الوفاق الوطني التي يتزعمها إياد علاوي تعبيرًا عن قناعةٍ تقوم على فكرة الدولة المدنية الجامعة، تلك الفكرة التي سعت إلى مخاطبة العراقي بصفته مواطنًا قبل أي توصيف آخر. ولم يكن هذا التوجه في بلدٍ مثقلٍ بالاستقطابات أمرًا سهلاً، فالسير في طريق الاعتدال غالبًا ما يكون أكثر وعورة من السير في طرق التعصب، لأن دعاة الاعتدال لا يملكون صخب الشعارات بقدر ما يملكون إيمانًا هادئًا بفكرة الوطن.وفي أحلك السنوات التي مر بها العراق، حين كانت الدماء تُراق باسم الدين تارةً وباسم السياسة تارةً أخرى.
ظهرت مواقف عديدة للدنبوس تعكس رفضه لمنطق القتل والثأر الأعمى، إذ لم يكن المقتول عنده رقمًا في إحصائية طائفية، بل إنسانًا خسرته عائلة وخسره وطن. ومن هنا جاءت مواقفه المعلنة في استنكار الجرائم والإدانات التي صدرت عنه تجاه أعمال العنف، انطلاقًا من رؤيةٍ ترى أن الجريمة لا تكتسب شرعية من هوية مرتكبها، وأن الدم العراقي لا ينبغي أن يخضع لمقاييس الانتماء الضيقة.
إن مأساة العراق الحديثة لم تكن في اختلاف أبنائه، بل في تحويل ذلك الاختلاف إلى سلاح. وحين يرفض رجلٌ عشائري وسياسي هذا المنطق، فإنه يحاول أن يعيد للأشياء معناها الأول؛ أن يكون السني أخًا للشيعي، والكردي شريكًا للعربي، والتركماني جزءًا من الحكاية العراقية الكبرى، وأن يبقى الوطن خيمةً تتسع للجميع مهما تعددت ألوان الجالسين تحتها.
ولعل الفلسفة الأعمق التي يمكن قراءتها في مثل هذه الشخصيات هي أن الزعامة الحقيقية لا تُقاس بعدد الأتباع، بل بقدرة الإنسان على الوقوف في وجه موجة الكراهية حين تصبح الكراهية رائجة، وعلى التمسك بالعقل حين يصبح الجنون جماعيًا، وعلى الدفاع عن الإنسان حين تتصارع الهويات فوق جسده. فالتاريخ لا يتذكر كثيرًا من الذين رفعوا أصواتهم، لكنه يتذكر أولئك الذين حاولوا أن يمنعوا النار من التهام البيت كله.
وهكذا يبقى عدنان الدنبوس نموذجًا لشخصية عراقية جمعت بين الإرث العشائري والعمل السياسي، وبين الانتماء إلى قبيلةٍ عريقة والانفتاح على فكرة الدولة، وبين حضورها في الواقع اليومي وتمسكها بخطابٍ يرفض تحويل الخلاف السياسي إلى عداوةٍ اجتماعية. وفي زمنٍ تتكاثر فيه الأسوار بين أبناء الوطن الواحد، تبقى الدعوة إلى نبذ الطائفية واحترام الإنسان أيًّا كانت هويته موقفًا يستحق التأمل، لأن الأوطان لا تبنى بانتصار جماعةٍ على أخرى، بل بانتصار الجميع على أسباب الفرقة والانقسام.



























