بقلم: الدكتور اسماعيل الجنابي
يعتبر فشل محادثات واشنطن وطهران في إسلام أباد ، بعد 21 ساعة من الشد والجذب دون اتفاق يفتح الباب أمام عدة سيناريوهات سياسية وأمنية متوقعة، ويمكن تلخيصها بشكل واقعي وفق المنظور التحليلي العميق عبر الاتي:
أولاً: سيناريو التصعيد التدريجي:
وهو الاحتمال الاعنف اذا لم يستأنف المسار الدبلوماسي بشكل سريع ، سينتج عنه زيادة في العقوبات الاقتصادية أو تشديدها على إيران وتوسع المواجهات غير المباشرة في ساحات العراق واليمن وكذلك التحول الى اسلوب الهجمات السيبرانية بين الطرفين وتصعيداً في الملف النووي الإيراني ومن المعلوم ان هذا السيناريو يحصل غالباً عندما يفشل التفاوض مع بقاء أسباب النزاع الأساسية دون حل.
ثانياً: “الهدنة الهشة” مع عودة التفاوض
وهو السيناريو الاكثر شيوعاً في هذه النوعية من الأزمات ، يقابله استمرار وقف إطلاق النار أو التهدئة رغم فشل المحادثات كوساطة باكستان وفتح المجال أمام دول أخرى مثل عُمان أو قطر للقيام بدور الوسيط واعادة الجلوس إلى الطاولة وفتح “قنوات خلفية” غير معلنة بين الجانبين ، مع الاخذ بنظر الاعتبار احتمالية اجراء جولة مفاوضات جديدة خلال أسابيع وهذا السيناريو تدعمه عادة مصالح الطرفين في تجنب حرب واسعة.
ثالثاً: حالة “لا حرب ولا اتفاق”
يتمثل في توقف المفاوضات بشكل مؤقت أو غير محدد مع استمرار التوتر دون انفجار مباشر ، مايعني إدارة الأزمة بدل حلها مع ابقاء الملفات العالقة (النووي – العقوبات – النفوذ الإقليمي) وهو مايعرف بـ“حالة اللاسلم واللاحرب” وهي الأكثر استقراراً نسبياً لكنها غير قابلة للاستمرار طويلاً.
رابعاً: تصعيد محدود
يقوم على اساس الضربات المتبادلة الغير مباشرة من خلال اذرع ايران في المنطقة باستهداف مواقع محددة) واحتكاكات بحرية أو إقليمية محدودة وفعاليات عسكرية محسوبة دون دخول حرب شاملة الهدف منها “تحسين شروط التفاوض لاحقاً” وهو مايعرف بصيغة (التفاوض تحت النار) وليس الدخول في الحرب الكاملة يضاف الى ذلك ستعمل واشنطن الى تشديد الحصار على طهران وزيادة الخناق عليها.
يثبت فشل محادثات إسلام آباد (حسب التقارير الأخيرة) حجم الخلافات الجوهرية مثل (برنامج ايران النووي وموضوع مضيق هرمز والضمانات والعقوبات) وان عدم تحديد موعد جديد للمفاوضات يزيد الغموض وهذا يعني أن المرحلة المقبلة ستكون غالباً تصعيداً محسوباً مع ابقاء ابواب الوساطات مفتوحاً لإعادة التفاوض وليس انهياراً كاملاً أو حرباً فورية.
ان فشل محادثات إسلام أباد لا يعني نهاية المسار، لكنه يعني ارتفاع التوتر ودخول مرحلة “ضغط تفاوضي أقسى”مع بقاء احتمال العودة للمفاوضات قائماً.
منهم الرابحون والخاسرون بعد فشل جولة محادثات اسلام اباد؟
أولا: الرابحون
1. التيار المتشدد داخل إيران:
يعرف عن بعض التيارات السياسية والدينية في ايران بالمتشددة وهذا يجعلها تستفيد من فشل التفاوض لتأكيد فكرة “عدم الثقة بأمريكا” مايجعل تبرير استمرار البرنامج النووي أو تطويره قائماً وهو مايعزز النفوذ الداخلي للحرس الثوري والربح السياسي الداخلي ، أكثر من كونه مكسباً اقتصادياً.
2. بعض القوى الإقليمية المناوئة لإيران:
بعض الدول في المنطقة قد ترى في فشل المفاوضات يمثل استمرار الضغط على إيران وإبقاء العقوبات الاقتصادية عليها وإضعاف تمددها الإقليمي ، لكنها لاتعني انها تريد حرباً شاملة.
3. شركات الطاقة والسوق النفطي (قصير المدى)
ان فشل جولة المفاوضات سيزيد من التوتر ما يرفع أسعار النفط عادة ، الامر الذي سينتج عنه مزيداً من الطلب على بدائل الطاقة الخليجية
ثانياً:الخاسرون
1. الشعب الإيراني:
ان الفشل في ايجاد الحل يؤدي الى زيادة في العقوبات أو تشديدها ، الامر الذي سينعكس على المواطن الايراني من الناحية الاقتصادية وارتفاع نسبة البطالة والتضخم وزيادة في الضغط الاجتماعي والمعيشي.
2. الولايات المتحدة
ان استمرار “إدارة الأزمات” المكلفة وصعوبة احتواء النفوذ الإيراني دون اتفاق يشكل ضغطا سياسيا واقتصاديا على المواطن الامريكي في ظل احتمالات تورط أوسع في المنطقة.
3. دول الخليج العربي
ان فشل المفاوضات سيؤدي الى زيادة بالتهديدات الغير المباشرة مثل (الصواريخ والمسيرات والوكلاء) اضافة الى اضطراب في أمن الملاحة والطاقة وضغط دفاعي وعسكري أعلى رغم المنفعة الاقتصادية لدول الخليج تحت مبدأ “استفادة اقتصادية تقابلها خسارة أمنية في نفس الوقت”.
4. العراق بشكل خاص
يعتبر العراق الساحة الأكثر حساسية وذلك لاحتمالية زيادة نشاط الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران وهذا ماسيجعل الضغط الأمريكي على الحكومة اقوى لضبط السلاح خارج الدولة وتحول العراق إلى “ساحة حرب ورسائل” بين الطرفين وهذا مايجعل العراق يدفع ثمناً باهضاً لأي فشل تفاوضي بين واشنطن وطهران أكثر من غيره.




























