بقلم: ا.د هاشم الحمامي
المقدمة: من ذاكرة المجد إلى خرائط الوصاية
في ذاكرة الأمم لحظات فارقة لا تكتفي بتأريخ الماضي، بل ترسم مسار المستقبل. هكذا كان العرب ذات يوم، أمة تسكن ضمير التاريخ وتسير بوعي الرسالة ووحدة المصير. لكن بين سقوط الخلافة العثمانية ونشوء الدول القُطرية، تهاوى الحلم أمام خرائط صيغت على موائد سايكس وبيكو، وأُلبست حدوداً أجنبية. لم يكن “الاستقلال” نهاية التبعية، بل بداية دور جديد، حيث تحوّلت دول عربية إلى كيانات وظيفية تخدم – طوعاً أو كرهاً – أجندات الخارج، وعلى رأسها الولايات المتحدة. هذه المقالة تقرأ ملامح تلك الهندسة الوظيفية التي شكّلت المشهد العربي لعقود.
من الإمبراطورية إلى الانتداب: التكوين الخارجي للكيان العربي
سقوط الدولة العثمانية لم يكن نهاية حكم، بل بداية رسمٍ خارجي لمصير العرب. سايكس-بيكو ووعد بلفور لم يُنتجا دولاً طبيعية، بل كيانات مشوهة تحمل بذور التجزئة وميراث التبعية. فُرضت أنظمة مرتبطة بالحماية الأجنبية، وزُرعت إسرائيل ككيان وظيفي في قلب منطقة مفككة، تحيط بها دول هشة لا تملك قرارها.
الاستقلال الشكلي: خرائط مرسومة وسيادة منقوصة
مع موجة الاستقلال بعد الحرب العالمية الثانية، ظهرت أنظمة حكم تفتقر إلى التأسيس الشعبي أو المؤسساتي، قائمة إما على الانقلابات أو الولاءات القَبَلية. اقتصاداتها رُبطت بتصدير المواد الخام، وبقاؤها مرهون بمراكز القرار الدولي. وفي كل أزمة، كانت العواصم العربية تتجه غرباً طلباً للحل، بينما جامعة الدول العربية غدت كياناً رمزياً يعكس الانقسام لا الوحدة.
من الهزائم إلى الترويض: التحول الاستراتيجي
هزيمة 1967 لم تكن عسكرية فقط، بل زلزالاً استراتيجياً. منذ ذلك الحين، تحوّل كثير من الدول العربية من منطق المواجهة مع إسرائيل إلى منطق التكيف معها، تحت ذرائع “الواقعية السياسية” أو “المصالح الاقتصادية”. نشأت عقلية الاستسلام المقنّع، وتم القبول بإسرائيل كأمر واقع في ظل غطاء غربي. هنا تجلت الوظيفة بأوضح صورها: بقاء على الهامش مقابل التخلي عن المركز.
التطبيع: انكشاف الدور الوظيفي
اتفاقيات كامب ديفيد ووادي عربة وأبراهام لم تُعبّر عن إرادة شعوب، بل عن أنظمة تسعى إلى شرعية خارجية. صارت العلاقة مع إسرائيل بوابة للدعم الغربي، وصارت أولويات العواصم مرتبطة برضا البيت الأبيض أكثر من أي توافق عربي. تحوّل التطبيع إلى سياسة ممنهجة تُدار من الخارج، وتُقدَّم كخيار “سيادي” رغم افتقاده لأي سند شعبي.
الوظيفة في زعزعة الاستقرار: الحرب بالوكالة
بعض الأنظمة العربية لم تكتفِ بالتطبيع، بل أدّت أدواراً وظيفية في صراعات المنطقة. في ليبيا واليمن وسوريا، دعمت بعض الدول جماعات مسلحة، وسخّرت إعلامها ومالها لتغذية الفوضى، تحت عناوين براقة مثل “الديمقراطية” أو “مواجهة النفوذ الإيراني”. كثير من هذه الأدوار جاء بتنسيق مباشر أو غير مباشر مع واشنطن، ضمن معادلة “الحرب بالوكالة” التي يُستخدم فيها العربي ضد العربي، لحساب القوى الكبرى.
التواصل مع الخصوم بالوكالة: أدوات غير تقليدية
برعت بعض الأنظمة في أداء دور الوسيط بين واشنطن ومن تعتبرهم “أعداءها”. مثال ذلك استضافة قطر لمكتب طالبان، ووساطتها مع حركات المقاومة الفلسطينية، وتسهيلها للحوار الأمريكي الإيراني. ورغم الغطاء الإنساني أو الدبلوماسي، فإن جوهر هذا الدور يتمثل في تمكين واشنطن من إدارة ملفاتها دون التورط المباشر. هكذا تحوّلت بعض الدول إلى ممرات سياسية وأمنية تُستخدم عند الحاجة، وتُنسى بعد انتهاء المهمة.
تبعية مركبة: الاقتصاد والسلاح والقرار
التحالف مع الغرب تجاوز السياسة إلى تمكين كامل. الجيوش العربية مدججة بسلاح لا تملك قراره، واقتصادات مربوطة بالدولار، وموازنات عسكرية مرهونة بموافقة الخارج. في المقابل، تغيب مشاريع التنمية والتصنيع، وتنتشر القواعد الأجنبية على الأراضي العربية، لتكريس منطق الاستتباع بدل السيادة.
الخاتمة: هل من مخرج من الدور الوظيفي؟
تشخيص الدولة الوظيفية ليس حكماً نهائياً، بل قراءة لواقع فرضه الاستعمار وتكرّسه أنظمة غير مستقلة. لكن التاريخ لم يُغلق صفحاته. ما دامت هناك إرادة حرة، ووعي يتشكل، فالإمكان لا يزال قائماً للخروج من أسر الوظيفة.
استعادة القرار العربي تبدأ من إعادة تعريف العدو والصديق، وفكّ الارتباط التدريجي عن ممولي السلاح والمواقف. حين تستعيد الأمة قرارها، يصبح الوطن كياناً مستقلاً، لا فرعاً محلياً لمصالح أجنبية.





























