بقلم: ا.د عبدالرزاق محمد الدليمي
اتذكر اثناء إعدادي لأطروحتي في الدكتوراة وهي تخصص في موضوع إعلامي بحت لكن ماكنت أخوض وأتعمق به طرح امامي كثير من التساؤلات والقضايا الشائكة التي ظاهرها يبدو انه لاعلاقة لهما بموضوعي الاعلامي لكن جوهرة مرتبط تماما بحيثياتهما وأسبابهما وهي مزيج من تداخلات اجتماعية ودينية وحضارية وثقافية معقدة الأمر الذي دفعني إلى التفكير بكيفية الإحاطة بها جميعا كي استطيع تحديد كيف تؤثر كل من تلك الظواهر على بعضها البعض والاسباب التي دفعت إلى ذلك واستخلاص النتائج ….
لذلك شعرت ان من المناسب لي علميا!ان التقي مع العالم د علي الوردي (الذي كان يرفض بشدة اجراء اي نوع من المقابلات معه واستطعت اخيرا بالوصول إلى ابنه الصيدلي وان احدد مع والده موعد في التاسعة من صباح احد ايام الاربعاء من ربيع عام ١٩٨٩)ولم يسمح لي د علي الوردي باصطحاب اي قلم او ورقة او جهاز تسجيل وفتشني ربما ادق من تفتيش رجال الامن هذه الايام ؟! وطلب مني بعد ان ضيفني بكوب شاي عراقي اصلي …ان اجلس في مكاني واستمع فقط دون تدوين اي شيئ مما سيقوله لي وكان هذا شرطه علي ولم يكن امامي اي خيار سوى القبول واستغرق اللقاء اكثر من اربع ساعات وانا مستمع كثيرا ومستفسر قليلا … واعترف ان للمرحوم العالم الجليل الوردي عمق معرفي اجتماعي سياسي ديني لا يضاهى الامر الذي جعلني استنتج اسباب كره المعممين الشيعة له وحنقهم عليه وواضح انهم (كما نوه لي) كانوا يريدون التخلص منه ومن أفكاره التنويرية التي كانت تتناقض مع مايريدون تعمية أبصار المواطنيين البسطاء عن رؤيته من الحقائق التي يعملون على اخفائها لانها ستهز عروشهم وتدمر سمعتهم وتنهي إمبراطورياتهم المالية المنافقة للدين القويم واهله ولهذا ربما ؟! حفاظا على حياته وأفراد أسرته كما استنتجت انتقل بسكنه من الكاظمية إلى الأعظمية … وربما قد اعود لتناول ذلك اللقاء المهم جدا وما حدثني به وركز الوردي فيه من اسرار خطيرة واستطراد لأمور لم ادرك مدى خطورتها وتأثيراتها على مجتمعنا إلا بعد احتلال العراق ٢٠٠٣؟!
العالم الاجتماع العراقي د علي الوردي خريج أرقى الجامعات الأمريكية وهو احد ابرز تلامذة الفيلسوف الامريكي المشهور جون دوي (أحد منظري البراغماتية)
ألّف مجموعة من الكتب ركز فيها الوردي في تحليلاته وتحديدا فترة الخمسينيات على جنوب العراق لسبب منهجي وتاريخي علمي وليس بدافع استهداف منطقة بعينها. ففي مؤلفاته مثل لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث و دراسة في طبيعة المجتمع العراقي محاولا تفسير كيفية تشكّل البنية الاجتماعية والسياسية والدينية في العراق الحديث ورأى من خلال الدراسة العلمية كما توضح ذلك لي أن الجنوب يمثل نموذجًا واضحًا لمكر وخبث الإنكليز وما خلقوه وتركوه من ارث سيئ يمكن استغلاله في اي وقت لمصلحة الإنكليز وعملائهم (لاسيما الإقطاع والمعممين) الذين ثبتوا أسس سيطرتهم على سكان جنوب العراق ش كل كارثي وهذه السيطرة ظهرت مرة اخرى بوضوح بعد احتلال العراق وكأن الإنكليز اعدوا انتاج الأدوار وتوزيعها لمصلحتهم نتيجة لتفاعل عدة عوامل تاريخية أبرزها:-
أولًا: طبيعة المجتمع الزراعي والإقطاع
حتى منتصف القرن العشرين كانت مناطق واسعة من جنوب العراق تقوم على اقتصاد زراعي تقليدي. والأرض كانت غالبًا بيد ملاّك كبار أو شيوخ عشائر بينما يعمل الفلاحون فيها بنظام العبودية والتبعية الاقتصادية.
هذا الوضع أدى إلى تفاوت كبير في الثروة والسلطة.واعتماد الفلاح على الشيخ أو الإقطاعي في معيشته ويخضع لسيطرة الاقطاعي بفتاوى المعممين وضعف قدرة الفرد على الاعتراض بسبب الحاجة الاقتصادية.
وقد رأى الوردي أن هذه البنية الاجتماعية تفسّر كثيرًا من أنماط السلوك السياسي والاجتماعي الذي نشاهده اليوم حيث تتفشى الظواهر السلبية والممارسات الشاذة بوحي وفتاوى من المعممين الذي تحالفوا مع الإقطاع الجديد (الاحزاب الدينية التي جاء بها الاحتلال) واقناع البسطاء من المواطنين ان اسباب كل معاناتهم تعود لاسباب غيبية وهرطقات وأساطير كي يقبلوا بها ولايثوروا على الظلم فبديل حريتهم وحقوقهم زيارة الأربعين وغيرها كما يضحكون بها المعممين على اهل الجنوب ؟!
صحيح حاولت الدولة العراقية معالجة بعض الجوانب إلا أن تلك المعالجات اقل بكثير من حجم المشاكل التي تجسدت في بنية المجتمع بالجنوب.
ثانيًا: دور العشيرة
أشار الوردي إلى أن العشيرة في العراق في الجنوب كانت مؤسسة اجتماعية تحمي الفرد لكنها في الوقت نفسه تحدّ من استقلاله.
فالعشيرة توفر الأمن والحماية.لكنها تفرض الولاء والتقيد بالأعراف والتقاليد !؟
وفي المجتمعات الريفية القوية عشائريًا في الجنوب يصبح القرار الفردي أقل حضورًا مقارنة بسلطة الجماعة.
ثالثًا: تأثير المؤسسة الدينية
بحسب تحليل الوردي الذي تنبه لخطورة المعممين بشكل مبكر وذكي فإن المدن الدينية الكبرى في العراق مثل النجف و كربلاء أدّتا ادوارا خطيرة اجتماعياً وسلوكيا مهمًا لاسيما في الجنوب.
فالمؤسسة الدينية الحوزوية التي تأسست بعد قيام الدولة عام ١٩٢١ اصبح لها بفعل المخطط الإنكليزي(جلب اعداد كبيرة من المعممين من الهند وفارس والباكستان وانتماءات اخرى للسيطرة على الحوزة بالعراق ولحد الان؟!) مهاما خطيرة تركت بصماتها السلبية على المواطن بالجنوب لانها كانت مصدرًا للتعليم الديني والقيادة الروحية لكنها أيضًا أصبحت جزءًا من البنية الاجتماعية التقليدية السلبية التي تلزم المواطن المظلوم على الصبر والتكيّف مع الواقع والفساد والقبول به وبكل تجاوزاته على إنسانية المواطن العراقي في الجنوب دون ان يسمحوا له دينياً ان يفعل اي شيئ لتغييره.
اذن الوردي لم ينكر دور المؤسسة الديني وهو العارف كيف نسج الإنكليز مشروعيتها وفرضها على العراقيين في الجنوب لكنه مع ذلك حاول تحليل تأثيرها الاجتماعي والسياسي.
رابعًا: ما أطلق عليها الوردي بظاهرة ازدواج الشخصية والكبت (وهذا المصطلح كرره الوردي امامي عشرات المرات اثناء لقائنا)؟!
ويعتبر من أهم المفاهيم التي اطلقها الوردي مشخصا المواطن العراقي بازدواجية الشخصية العراقية والكبت
فهو يرى أن الفرد في المجتمع العراقي قد يجمع بين قيمتين متناقضتين قيم البداوة مثل الشجاعة والتمرد وقيم الحضر مثل الطاعة والانضباط.
هذا التناقض برأيه نتج عن تاريخ طويل من الصراعات بين البداوة والدولة في العراق.
وأعتقد ان الإنكليز عرفوا الكثير عن العراق واهله عندما احتلوا العراق ١٩١٤ حيث كانت ميس بيل قد زوّدتهم بالمعلومات التي استغلوها وحولوها إلى ادوات وأساليب عمل نجحوا فيها بالسيطرة على الشعب العراقي
خامسًا: لماذا كانت تحليلات الوردي مهمًة جدا ؟
من وجهة نظري كعالم ازعم اني تبحرت في امور كثيرة وانا بروفسور منذ ١٩٩٨ مطلع … ان اعادة قراءة تحليلات الوردي في هذه الفترة (رغم انغماس غالبية الناس بمآلات مسرحية الحرب بين امريكا وإسرائيل من جهة وملالي ايران من جهة اخرى ارى ان هذه القراءة تكتسب اهمية اكثر الان ولاحقا لأن الوردي رحمة الله عليه حاول أن يفسر لماذا تتكرر دورات التمرد والثورة في العراق ؟! ولماذا يتعايش الناس لاسيما الان مع أنظمة اجتماعية قاسية وفاسدة كما هو حال العراق الان؟!
وكان الوردي يرى مثلما يرى كل عراقي شريف أن الحل اليوم يكمن في:
١-التعليم السليم على اسس عراقية وطنية
٢-بناء دولة القانون والعدل والمساواة الحديثة
٣-تقليص نفوذ الاحزاب الدينية السياسية والمؤسسات الدينية والمعممين وإبعادهم عن التدخل بشؤون الدولة وعملها بتاتا !!وكذلك التخلص من البنى المؤسساتية التقليدية التي اصبحت عبئا على المجتمع ؟!
اذن فتركيز علي الوردي على جنوب العراق لم يكن حكمًا على سكانه بل محاولة لفهم الظروف التاريخية والاجتماعية (تحالف الإقطاع مع المعممين وهي ظاهرة شخص وجودها الوردي بالجنوب تحديدا كما صرح بذلك عدة مرات) والتي شكّلت سلوك جزء مهم وعزيز من المجتمع العراقي في تلك البيئات والتي يتم استغلالها لاسيما بعد الاحتلال لخلق الفوضى في وسط وجنوب العراق؟!وقد كان هدفه الأساسي تقديم نقد اجتماعي يساعد على الإصلاح والتحديث.




























