بقلم: الدكتور اسماعيل الجنابي
تلوح في الأفق أبرز المستجدات والتنازلات المتبادلة التي أسست لهذا التحول المفاجئ بين أمريكا وايران ، ما دفعت أعلان الرئيس ترامب إلغاء ضربات عسكرية إضافية كانت مقررة ضد إيران لإعطاء فرصة لإتمام الاتفاق، في حين أكدت طهران صياغة الجزء الأكبر من النص مع بقاء بعض التفاصيل العالقة قيد اللمسات الأخيرة ، قد يعطي دلالة حتمية اعتمدها النظام الإيراني بكافة أطيافه كخيار استراتيجي وحيد لحماية بقاء الدولة وفق مايعرف بـ”البراغماتية الأضطرارية” وتداخلاً في الحسابات السياسية الداخلية في طهران لتعكس واقعاً معقداً وراء هذا القرارالذي كان نتاجاً للانهاك الاقتصادي نتيجة العقوبات الأمريكية الخانقة التي تسببت في أزمات معيشية وتضخم غير مسبوق داخل إيران، ما دفع القيادة الإيرانية لتغليب الحلول الدبلوماسية لتخفيف الضغط الشعبي وتوازنات الردع العسكري التي تسعى من خلالها طهران لحماية منشآتها وبرامجها الحيوية من أي تصعيد عسكري محتمل عبر تحويل الصراع إلى طاولة المفاوضات ومحاولة لتجميد المواجهة المسلحة لقبول مسودة الاتفاق على معادلة “الأمن البحري الشامل ووقف إطلاق النار مقابل التسهيلات الاقتصادية والإنسانية”، والتي صِيغت عقب جولات تصعيد عسكرية خطيرة كادت أن تخرج عن السيطرة .
كيف يرى المتشددون هذا الاتفاق
يرى التيار المتشدد في ايران أن التهدئة المؤقتة ضرورية حتمية لالتقاط الأنفاس وإيقاف النزيف الاقتصادي والضربات العسكرية، وليس تراجعاً عن المبادئ، ما يجعل فرضية تجرع السم الحتمية عادت من جديد ابان الحرب الايرانية – العراقية والتي يعتبرها التيار المتشدد بمثابة “النصر الصامد” على أنه “انتصار تاريخي” فرضته طهران عبر ردها العسكري ومنع واشنطن من تحقيق شروطها القصوى (مثل التفكيك الكامل للمنشآت) لتجنب تحمل التكلفة الأيديولوجية للتنازلات أمام القواعد الشعبية ، وفق معادلة التفاوض من موقع قوة للوصول إلى تفاهمات مبدئية تمكنها من الاحتفاظ بنسب تخصيب متقدمة وأوراق ضغط إقليمية، لتجنب تقديم تنازلات مجانية دون ضمانات برفع العقوبات وحرية الملاحة ، حيث يعتبر الحرس الثوري أن رده الصاروخي الأخير واستهدافه للقواعد والمصالح الأمريكية في المنطقة (مثل القواعد في البحرين والكويت والأردن) هو ما أجبر واشنطن على التراجع عن شروطها الإضافية وقبول النص المقترح أصلاً من إيران.
المكاسب السياسية للمعتدلين وقوة البازار
يُعتبر هذا الاتفاق المبدئي انتصاراً كبيراً لـ “قوة البازار” (الطبقة التجارية التقليدية) والتيار البراغماتي المعتدل بقيادة الرئيس مسعود بزشكيان، والذين طالما جادلوا بأن تفكيك الحصار الاقتصادي هو الأولوية القصوى لحماية البلاد من الانهيار الداخلي وهي إثبات لصحة النهج التي يعتمدها التيار المعتدل باعتبارها حجة قوية أمام الداخل بأن “الدبلوماسية الواقعية” هي الوسيلة الوحيدة لرفع الحصار المالي وتجنيب البلاد شبح الانهيار الشامل والحروب المفتوحة تمكن البراغماتيون الاستفادة من تدفق الأموال المجمدة وانخفاضاً للتضخم ، لتعزيز شعبيتهم وموقعهم السياسي تمهيداً للاستحقاقات الانتخابية القادمة وبالتالي، فإن المشهد الحالي يمثل توافقاً اضطرارياً بين الأجنحة ، يراه المعتدلون مخرجاً دبلوماسياً، بينما يراه المتشددون فرضاً في السقف العسكري والأمني للمفاوضات.
إسرائيل تنأى بنفسها عن الاتفاق
تنظر إسرائيل إلى مسودة الاتفاق الحالية بـ “التوجس شديد والتحفّظ العلني”، واصفة إياها بأنها بالصفقة السيئة التي لا تلبي أهداف الحرب الاستراتيجية وتمنح النظام الإيراني فرصة لالتقاط الأنفاس والتعافي اقتصاديًا وعسكريًا ، حيث أكد مكتب نتنياهو عقب اتصال هاتفي مع الرئيس دونالد ترامب أنه يُقدّر تعهدات واشنطن بأن يشمل “الاتفاق النهائي” قيودًا صارمة تمنع إيران من حيازة سلاح نووي وتفكيك قدراتها بالكامل ، حيث تعتبر اسرائيل ملف “أذرع إيران” في المنطقة (شبكة الفصائل الحليفة) العقدة الأكثر غموضاً وتناقضاً في الروايات المتبادلة بين واشنطن وطهران حول مسودة الاتفاق الحالية، حيث يُرحّل الجانبان الصدام الحقيقي حول هذا الملف إلى مهلة المفاوضات النهائية الممتدة لـ 60 يوماً وتشير الرواية الامريكية أن التفاهمات المبدئية والخطوط العريضة لـ “الاتفاق النهائي” تُلزم إيران بوقف تسليح وتمويل كافة وكلائها وفصائلها في المنطقة.
النتائج والتوقعات
نعتقد ان التوصل إلى مسودة مذكرة التفاهم الحالية (المكونة من 14 بنداً) يمثل تحولاً استراتيجياً ومرحلياً في مسار المواجهة بين واشنطن وطهران ، حيث جاء هذا التقارب مدفوعاً بـ “براغماتية اضطرارية” من الطرفين عقب بلوغ حافة الهاوية في التصعيد العسكري المباشر لتأمين أسواق الطاقة والملاحة البحرية تتمثل بحاجة أمريكية ورغبة ايرانية في إنقاذ اقتصادها من الانهيار والتحلل من الحصار الخانق ، وبموجب الصيغة الحالية، نعتقد ان طهران قد في حماية ترسانتها الصاروخية ونفوذها الإقليمي من المساومة الفورية، مقابل تجميد مؤقت لملفها النووي، بينما تجنبت واشنطن دفع تعويضات مباشرة عبر تحويلها إلى صندوق استثماري دولي ممول خليجياً من “البقرة الحلوب” التي تعرضت لهجمات صاروخية طالت بنيتها النفطية ومنشئاتها المدنية كبدتها خسائر مادية كبيرة ، ويبقى نجاح الطرفان في تمرير التهدئة الأولية لـ 60 يوماً، مرهوناً بالشروط الأمريكية والإسرائيلية الصارمة الرامية لتفكيك البنية النووية بالكامل وكبح نفوذ الفصائل الإقليمية عند جلوس الطرفين لصياغة “الاتفاق النهائي” حيث تستطيع إسرائيل استغلال عدم توقيعها على الاتفاق وحريتها القانونية الممنوحة أمريكياً للقيام بضربات استباقية مجهضة ضد شحنات أسلحة أو خطوط إمداد تابعة لحزب الله أو الفصائل في سوريا والعراق ، لامتلاكها “الغطاء السياسي والقانوني” للقيام بذلك، كونها ليست طرفاً موقعاً على مسودة الاتفاق الجاري بين واشنطن وطهران























