بقلم: الدكتور اسماعيل الجنابي
يبدو ان تحذير الرئيس الامريكي دونالد ترامب لايران عن موعد الضربة العسكرية ، جاء من موقع القوة” العسكري المطلق للولايات المتحدة وإبراز الفجوة التكنولوجية والاستخباراتية مقابل الدفاعات الإيرانية ، خصوصاً انه جاء بعد اعلانه عن تحرك 22 سفينة حربية في الظلام واختراق الرادارات دون كشفها، الامر الذي يبعث برسالة مفادها أن واشنطن تسيطر على الأجواء والبحار تماماً، وأنها قادرة على شل القدرات الدفاعية لإيران في دقائق ما يشكل أثراً نفسياً في كسر إرادة الخصم وطبقاً للمفهوم العسكري الذي يعتبر التحذير المسبق لطهران وتحديد موعد الهجوم يشكل إرباكاً في صفوف القيادة العسكرية الإيرانية ، وإثبات أن واشنطن تملك زمام المبادرة وتتحكم بجدول التصعيد بغية انتزاع التنازلات في مسار المفاوضات و توظيف هذا التفوق الميداني لإحراج المفاوض الإيراني، ووضعه تحت ضغط التهديد الوجودي لمنشآته، ما يجبرها على تقديم تنازلات سياسية صعبة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه ، مع الاخذ بنظر الاعتبار هناك معادلة اخرى تعكس هذه الفرضية تقرا من زاوية مختلفة لتجنب الانزلاق حرب شاملة وأن التحذير المسبق والتراجع أو إعطاء مهل قد يعكس رغبة أمريكية في عدم تدمير النظام الإيراني بالكامل وتجنب حرب إقليمية واسعة قد تؤدي إلى إغلاق كامل لمضيق هرمز والمساس بالاقتصاد العالمي، خصوصاً اذا اعتبرنا إسقاط إيران لمروحية “الأباتشي” الأمريكية المتطورة كان بحد ذاته تحدياً ومخاطرة إيرانية، ما دفع ترامب للرد بقوة لإعادة رسم “خطوط الردع الحمراء” التي حاولت طهران تجاوزها.
انعاكاسات التحذير على مسار المفاوضات
أثرت الضربات الأمريكية على إيران بشكل مزدوج ، حيث استُخدمت كأداة ضغط عسكري قصوى لفرض التنازلات وفي الوقت ذاته دفعت الجانب الإيراني إلى التصلّب التفاوضي واشتراط ملفات أمنية معقدة طبقاً للمعادلة الإستراتيجية الأمريكية (التفاوض من موقع القوة) بمعنى أدق ، ترى إدارة الرئيس دونالد ترامب أن توجيه ضربات دفاعية وهجمات على البنية التحتية والقدرات العسكرية الإيرانية يمثل أداة ضغط لحمل طهران على تقديم تنازلات سريعة وإنهاء الجمود من خلال فرض شروط أوسع عبر التصعيد العسكري إلى إجبار طهران على عدم الاكتفاء ببحث الملف النووي، ودفعها لضم ملفات أخرى لطاولة المفاوضات كبرنامج الصواريخ الباليستية ونفوذها الإقليمي وقد تمحور الرد الإيراني الذي سُلّم للوسيط الباكستاني حول آليات إنهاء الحرب والتوصل إلى تسوية وقد تضمن الرد الإيراني المحدد ما يلي:
- التركيز حصراً على إنهاء الحرب: اقترحت طهران أن تنصبّ المفاوضات بشكل أساسي ومباشر على وقف العمليات العسكرية.
- تأجيل الملفات الأخرى: أكدت إيران أن ردها لا يتفاوض بشأن الأسلحة النووية في هذه المرحلة، وأن خطتها مخصصة لإنهاء الصراع.
- خطة الـ 14 بنداً: يأتي هذا التسليم في إطار مراجعة مستمرة، حيث عكفت طهران على خطة إيرانية من (14 بنداً) تتضمن الإطار العام للاتفاق وإجراءات بناء الثقة.
يذكر ان محور الدور القطري في زيارة وفدها التفاوضي الرفيع إلى طهران من اجل إنقاذ مسار التفاوض وسد الثغرات العالقة بين واشنطن وطهران للتوصل إلى اتفاق نهائي ينهي الحرب.
وجاءت هذه الزيارة عقب تعثر مؤقت وجهود مكثفة لتقريب وجهات النظر المتبادلة وحسم النقاط الخلافية الأخيرة لإبرام اتفاق دائم ، بعد مغادرة الوسيط الباكستاني طهران إثر صعوبات واجهت إتمام مهمته.
الموقف الإيراني (التصعيد المقابل ورفع السقف)
دفعت الهجمات الجوية النظام الايراني إلى اتخاذ مواقف أكثر تشدداً لمنع ظهورها بمظهر الضعيف، ما أدى أحياناً إلى إعادة المحادثات إلى المربع الأول وتوظيف الرد العسكري سياسياً من خلال استهداف القواعد الأمريكية وتفعيل إغلاق مضيق هرمز ، لايصال رسالة بأن استمرار الضغط لن يمر دون كلفة اقتصادية وإقليمية باهظة، مستغلةً مخاوف واشنطن من اندلاع حرب شاملة بغية التاثير على مسار المفاوضات وتغيير أولوياتها على اعتبار ، ان الضربات المستمرة نقلت تركيز المفاوضات من الحلول السياسية طويلة الأمد إلى أولويات أمنية عاجلة، مثل تأمين المرور الآمن في مضيق هرمز ووقف القصف الجوي المتبادل قبل الانتقال لأي بند آخر.
ولهذا يعكس المشهد العسكري توازناً معقداً لا يمكن حسمه كضعف مطلق أو قوة مطلقة؛ بل هو مواجهة بين استراتيجيتين مختلفتين لموازين القوى تتمثل بللتفوق التكنولوجي والردع غير التقليدي ، حيث يتركز موقع القوة الأمريكي عبر حروب الجيل السادس الذي يعرف بالقصف عن بُعد من خلال صواريخ “توماهوك” الدقيقة من خليج عدن وبحر العرب التي اثبتت قدرتها على تدمير الرادارات والدفاعات الجوية (في بندر عباس وقشم وطهران) دون الحاجة للمخاطرة بمقاتلاتها في العمق الإيراني ، في حين تكمن أوراق القوة الإيرانية بسياسة الردع بالمقاطعة على الرغم من تضرر دفاعاتها، لا تزال طهران تمتلك أوراقاً خانقة للاقتصاد العالمي، أبرزها القدرة على إغلاق مضيق هرمز عسكرياً، واستهداف القواعد الأمريكية عبر حلفائها، وهو ما يجعل ترامب حذراً من الانزلاق لحرب شاملة ومستعجلاً لإبرام “الصفقة الأوسع”.
النتائج والتوقعات
نعتقد ان الوضع يتأرجح ميدانياً بين التصعيد العسكري الحذر وإمكانية إبرام صفقة سريعة بعد التحذير الثاني لترامب بان الليلة ستكون الاكثر قسوة على النظام الايراني واعلانه قرب السيطرة على جزيرة خارك النفطية ، ما يجعل سيناريو “الصفقة السريعة الخاطفة” الذي قد يثمر بفعل الضغوط العسكرية لترامب، والوساطة الباكستانية القطرية لإجبار طهران على تعديل بنود التخصيب، ليتم التوقيع على الاتفاق خلال أيام، وبالتالي إعادة فتح مضيق هرمز فوراً وتخفيف الحصار البحري ، فيما يبقى سيناريو “حرب الاستنزاف المتبادلة” في حال أصر ترامب على رفض الرد الإيراني (الذي وصفه بـ “الضعيف جداً ، ستقوم واشنطن بتشديد ضرباتها المركزة عن بُعد لتجريد الحرس الثوري من سلاحه، بينما ترد إيران بتفعيل الإغلاق الكامل للمضيق واستهداف ناقلات النفط لمنع الملاحة الدولية ، أو الذهاب الى سيناريو “الضربة الكبرى الأخيرة ” قد تدفع ترامب إلى تنفيذ عملية عسكرية واسعة وشاملة لكسر العناد الإيراني بشكل نهائي، تتبعها دعوة طهران للتوقيع من موقع الاستسلام الإستراتيجي الفوري.

























