بقلم: الدكتور اسماعيل الجنابي
تشهد العلاقة بين المملكة العربية السعودية وجماعة الحوثي تصعيداً عسكرياً كبيراً غير مسبوق منذ بدء التهدئة عام 2022، حيث تشن الجماعة ضربات مكثفة طالت العمق السعودي.
تفاصيل الهجمات والخسائر الأخيرة
- إصابة 73 مدنياً: أعلن التحالف بقيادة السعودية عن إصابة 73 مدنياً (بينهم نساء وأطفال) إثر هجمات بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة.
- المدن المستهدفة: تركز القصف الحوثي على 4 مدن في المنطقة الجنوبية للمملكة وهي: أبها، وخميس مشيط، وجازان، ونجران.
- ضرب منشآت الطاقة وأرامكو: أعلنت وزارة الطاقة السعودية تعرّض منشآت ومرافق تابعة لقطاع الطاقة للاستهداف، مما أدى لنشوب حرائق وتوقف مؤقت لبعض العمليات التشغيلية، في حين تبنى الحوثيون استهداف منشآت تابعة لشركة أرامكو ومطار أبها وقاعدة الملك خالد الجوية.
خلفيات وأسباب التصعيد الحالي
- أزمة الطائرة الإيرانية: بدأت شرارة التوتر في يوليو الماضي بعد اتهام الحوثيين للرياض بمنع طائرة إيرانية من الهبوط في مطار صنعاء.
- معادلة الحصار بالحصار: أعلن الحوثيون فرض “حظر بحري شامل” واستأنفوا استهداف ناقلات النفط والمنشآت السعودية رداً على ما وصفوه بالحصار والغارات الجوية للتحالف.
- معارك الميدان باليمن: يتزامن هذا القصف مع معارك برية ضارية داخل اليمن هي الأعنف منذ سنوات؛ حيث يسعى الحوثيون للتقدم نحو مضيق باب المندب وعزل مدينة المخا الساحلية، وسط قصف جوي متبادل سقط فيه أكثر من 300 قتيل يمني خلال أيام قليلة.
المواقف والردود
- السعودية والتحالف: أدانت الخارجية السعودية الهجمات واعتبرتها “انتهاكاً سافراً للسيادة”، وتوعد التحالف باتخاذ “إجراءات عملياتية حازمة” لردع الحوثيين وتحييد مصادر التهديد.
- الدعم الحكومي اليمني: أعلن الجيش اليمني والقوات المسلحة التابعة للحكومة الشرعية وقوفهم الكامل مع السعودية وتنسيقهم المشترك لحماية الأمن والسيادة.
- التضامن الإقليمي: أصدرت مصر والأردن ومجلس التعاون الخليجي بيانات إدانة شديدة اللهجة تضامناً مع المملكة ضد ما وصفوه بالعمل الإرهابي والتصعيد الخطير.
يحمل هذا التصعيد العسكري المتسارع نتائج مباشرة ملموسة، ويفتح الباب أمام توقعات وسيناريوهات قد تعيد تشكيل الملف اليمني والإقليمي كلياً.
أولاً: النتائج المباشرة المترتبة على التصعيد
- ارتفاع أسعار النفط العالمية: تسببت الهجمات الحوثية على منشآت أرامكو الحيوية والمصافي في جازان وينبع بـتأثيرات مؤقتة على الإنتاج، مما ساهم مباشرة في دفع أسعار النفط العالمية إلى أعلى مستوياتها خلال أكثر من شهر.
- انهيار مسار السلام (خارطة الطريق): يرى الخبراء والمبعوث الأممي أن هذه الأحداث أدت فعلياً إلى انهيار الهدنة الهشة المستمرة منذ عام 2022، وتجميد المسار السياسي والمفاوضات التي كانت جارية بين الرياض وصنعاء.
- اشتعال جبهات الداخل اليمني: أسفر تجدد المعارك البرية في جبهات تعز، والجوف، والبيضاء، والحديدة عن مقتل أكثر من 300 شخص ونزوح مئات العائلات في غضون أيام، مما يعيد إنتاج الأزمة الإنسانية.
- تهديد خطير للملاحة البحرية: أدت “معادلة الحصار الحوثية” واستهداف السفن الحاملة للعلم السعودي في البحر الأحمر إلى ارتفاع حاد في تكاليف التأمين البحري للشحن الدولي.
- ثانياً: السيناريوهات المحتملة
يتأرجح مستقبل هذا التصعيد بين ثلاثة سيناريوهات رئيسية بحسب الحسابات السياسية للأطراف بعد سيطرة القوات اليمنية على بعض المناطق التي كان الحوثيين يحكمون السيطرة عليها:
- الردع الانتقائي المحدود : تقود السعودية ضربات جوية مركزة تستهدف منصات إطلاق الصواريخ ومخازن سلاح الحوثيين وحماية أراضيها، دون الانزلاق إلى حرب شاملة ومفتوحة، رغبةً منها في حماية مشاريعها الاقتصادية الداخلية ورؤية 2030.
- حرب شاملة وإقليمية بالوكالة: استمرار الحوثيين في ضرب العمق النفطي والمدني السعودي وتجاوز “الخطوط الحمراء”، مما يجبر الرياض والتحالف على دعم هجوم بري واسع النطاق (بغطاء جوي مكثف) لاستعادة السيطرة على موانئ الحديدة وتأمين مضيق باب المندب كلياً.
- العودة لطاولة المفاوضات: استخدام الحوثيين هذا التصعيد كورقة ضغط قصوى لتحسين شروطهم التفاوضية (مثل دفع الرواتب من عائدات النفط اليمني ورفع القيود عن المطارات)، ما قد يدفع نحو تهدئة قسرية عبر وساطة دولية أو أممية خوفاً من تضرر الاقتصاد العالمي.
النتائج والتوقعات
نعتقد ان المنطقة ستدخل مرحلة متوترة وحرجة؛ حيث لم يعد الصراع محلياً يمنياً، بل بات مرتبطاً بشكل مباشر بـالصراع الإقليمي الأوسع وتأمين ممرات الطاقة العالمية وسلاسل الإمداد عبر البحر الأحمر ومضيق باب المندب ويبدو واضحاً ان ايران من تقف وراء هذا التصعيد ابان حادثة الطائرة في يوليو الماضي عندما منعت القوات الحكومية والتحالف طائرة إيرانية من الهبوط في مطار صنعاء؛ حيث أكدت الحكومة اليمنية الشرعية ، أن الطائرة كانت تُقل قيادات من الحرس الثوري الإيراني وشحنات من المعدات العسكرية ، خصوصاً بعد ورود التقارير الاستخباراتية والأممية ، على أن الترسانة العسكرية التي يستخدمها الحوثيون لضرب العمق السعودي (من صواريخ باليستية متطورة وطائرات مسيّرة دقيقة) هي أسلحة وخبرات قادمة مباشرة من طهران التي تسعى عبر حلفائها إلى استخدام التصعيد عسكرياً كورقة ضغط قوية، في حين تخرج تصريحاتها الدبلوماسية الرسمية (مثل دعوة وزير خارجيتها للحوار) لمحاولة الظهور بمظهر الوسيط ولتجنب رد فعل عسكري مباشر وشامل ضد أراضيها.























