بقلم: الدكتور اسماعيل الجنابي
تراجع واشنطن عن تجديد مذكرة التفاهم الأمني لدعم قوات البيشمركة الكردية الذي ينتهي في 30 سبتمبر/أيلول، وذلك لعدة أسباب إستراتيجية ومؤسسية مترابطة:
- انتهاء مهمة التحالف والانسحاب الأمريكي
- اكتمال الانسحاب العسكري: يتزامن موعد انتهاء اتفاقية الدعم مع الموعد المحدد لسحب القوات الأمريكية وقوات التحالف الدولي بالكامل من العراق وإغلاق قاعدة أربيل العسكرية.
- هزيمة تنظيم داعش: ترى وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) في مقترح موازنة العام المالي أن تنظيم “داعش” قد هُزم رسميًا، وبالتالي انتفت الحاجة لبرنامج مكافحة التنظيم الذي كان يمول البيشمركة.
- الانتقال لاتفاق ثنائي: تتوجه الإدارة الأمريكية لصياغة علاقة أمنية جديدة مباشرة مع الحكومة الاتحادية في بغداد ترتبط بمهام محددة.
- فشل الإصلاحات المؤسسية وتوحيد القوات
- استمرار الانقسام الحزبي: اشترطت واشنطن في الاتفاقيات السابقة (منذ عام 2016) دمج فصائل البيشمركة المتفرقة وإلغاء تبعيتها الحزبية (للحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني) تحت مظلة وزارة موحدة وجهاز إداري مهني واحد.
- عدم الإيفاء بالشروط: جاء قرار إيقاف المساعدات نتيجة لعدم تحقيق حكومة إقليم كردستان هذه الإصلاحات الهيكلية المتفق عليها.
- السياسة الخارجية لإدارة ترامب الثانية
- تقليص الانخراط الخارجي: يتماشى هذا التوجه مع تعهدات الرئيس الأمريكي بتقليص الوجود العسكري والإنفاق الأمني للولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط.
- الأثر المالي المباشر: سيؤدي عدم التمديد إلى قطع تمويل مباشر بلغت قيمته 61 مليون دولار خلال السنة المالية، والذي كان يُخصص لشراء الأسلحة، التدريب العسكري، ودفع رواتب قوات البيشمركة وهناك علاقة وثيقة ومباشرة بقرار نزع سلاح الفصائل وحصر السلاح بيد الدولة وهذا التزامن يمثل جزءاً من تسوية سياسية وأمنية شاملة ومعقدة داخل العراق، وتتداخل فيه الملفات كالتالي:
- شروط الفصائل لتسليم سلاحها
- ربط الفصائل بالبيشمركة: تصر فصائل مسلحة بارزة (مثل كتائب حزب الله وكتائب سيد الشهداء) على ربط ملف تسليم سلاحها بحل قوات البيشمركة أو نزع سلاحها الثقيل.
- حجة “السلاح الموازي”: تحاجج الفصائل بأنها لن تتخلى عن ترسانتها (من الصواريخ والمسيّرات) طالما يحتفظ إقليم كردستان بقوات عسكرية خاصة تمتلك قدرات هجومية منفصلة عن الجيش الاتحادي.
- التزامن مع مهلة 30 سبتمبر/أيلول
- موعد نهائي موحد: حددت حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي تاريخ 30 سبتمبر/أيلول كمهلة نهائية لحصر السلاح بيد الدولة وهو نفس اليوم الذي ينتهي فيه رسمياً التمويل الأمريكي للبيشمركة ويكتمل فيه انسحاب قوات التحالف الدولي.
- سحب الذرائع: بقطع الدعم المالي المباشر عن البيشمركة، تسعى واشنطن بالتعاون مع بغداد إلى سحب الذرائع من الفصائل الموالية لإيران التي كانت تبرر الاحتفاظ بسلاحها بوجود قوات مدعومة أمريكياً في الشمال.
- تعزيز سلطة بغداد المركزية
- تحويل الدعم للمركز: الموازنة الأمريكية المقترحة لعام 2027 قامت بتصفير بند دعم البيشمركة، وبالمقابل خصصت أكثر من 118 مليون دولار للقوات الاتحادية في بغداد.
- رؤية واشنطن الجديدة: تخلت الولايات المتحدة عن استراتيجية دعم الشركاء المحليين الفرعيين (مثل الكرد في العراق أو قوات قسد في سوريا)، وبدأت تدفع باتجاه تركيز السيادة الأمنية كاملة تحت سلطة الحكومة المركزية لتسهيل تنفيذ خطة نزع السلاح ومكافحة الأسلحة المنفلتة والميليشيات.
الرد الكردي:
ترفض القوى الكردية هذا الربط بشكل قاطع، وتؤكد أن البيشمركة قوات نظامية معترف بها دستورياً كحرس للإقليم، ولا يمكن مساواتها بالفصائل المسلحة الخارجة عن القانون وتعتبر محاولة نزع سلاحها خطوة لتفكيك إقليم كردستان سياسياً.
معادلة الرابح والخاسر
المستفيد الأكبر والرابح الرئيسي من هذا القرار المعقد هو الحكومة المركزية في بغداد والقوى السياسية والفصائل المتحالفة معها، في حين يتوزع الربح والخسارة على أطراف أخرى كالتالي:
- الرابح الأكبر: الحكومة المركزية في بغداد
- قوة القرار السيادي: تحصر بغداد القرار الأمني والعسكري في يدها وتنهي التمويل الأجنبي المباشر الذي كان يمنح إقليم كردستان استقلالية عسكرية .
- زيادة الدعم: تتحول الأموال الأمريكية التي كانت تذهب لأربيل إلى خزينة القوات الاتحادية (الجيش وجهاز مكافحة الإرهاب).
- رابح تكتيكي: الفصائل المسلحة (الموالية لإيران)
- تحقيق هدف إستراتيجي: نجحت هذه الفصائل في إخراج القوات الأمريكية من قاعدة أربيل وقطع التمويل عن خصمهم التقليدي (البيشمركة).
- تعزيز الموقف التفاوضي: استخدمت الفصائل ملف نزع سلاحها للضغط على واشنطن وبغداد لتجريد أربيل من قوتها، وحققت ذلك دون أن تقدم حتى الآن تنازلات حقيقية بشأن تسليم كامل سلاحها الثقيل.
- الرابح الإستراتيجي: النفوذ الإقليمي (إيران)
- إضعاف حليف واشنطن: يمثل إنهاء الوجود الأمريكي وإضعاف البيشمركة ضربة للنفوذ الغربي في شمال العراق، مما يفسح المجال لزيادة نفوذ طهران السياسي والأمني في عموم البلاد.
الخاسر الأكبر: إقليم كردستان العراق
- أزمة مالية وعسكرية: يفقد الإقليم 61 مليون دولار سنوياً كانت تغطي رواتب وتسليح قواته، في وقت يعاني فيه الإقليم أصلاً من أزمة رواتب خانقة بسبب توقف صادرات النفط.
- انكشاف أمني: انسحاب التحالف يترك أربيل دون غطاء جوي أو حماية مباشرة ضد هجمات الصواريخ والمسيّرات التي كانت تستهدفها.
- ضعف سياسي: تراجع مكانة الإقليم كشريك مفضل ومباشر للولايات المتحدة في المنطقة، وتحوله إلى مجرد طرف محلي تابع لبغداد.
النتائج والتوقعات
نعتقد ان القرار الامريكي سيترتب عليه قطع الدعم المالي والعسكري عن قوات البيشمركة (وتصفير موازنتها لعام 2027) بالتزامن مع الانسحاب الأمريكي، ضمن جملة من النتائج الفورية والتوقعات الإستراتيجية المباشرة على أمن العراق والمنطقة وسحب منظومات الدفاع الجوي “باتريوت” من أربيل ووقف الدعم الاستخباراتي ، ما يترك الإقليم دون غطاء جوي وحماية ضد ضربات الصواريخ والمسيّرات الموجهة ضده ما يؤدي الى خسارة 61 مليون دولار سنوياً ، الأمر الذي سيعمق الأزمة المالية الحالية لحكومة الإقليم، ما يعيق دفع رواتب المقاتلين، ويؤثر سلباً على قدرات التدريب وصيانة الآليات ولكن المعضلة الكبرى ستكون باستمرار تمويل واشنطن المحدود لبعض قوات مكافحة الإرهاب المحلية (مثل قوات النخبة التابعة للسليمانية) مع تصفير دعم قوات أربيل قد يخلق فجوة وحساسيات أمنية داخلية بين الحزبين الكرديين ، الأمر الذي سيجبر حكومة اربيل القبول بإندماج مالي وأمني أعمق مع وزارة الدفاع والمالية الاتحادية لتأمين رواتب وتسليح قواتها، ما يعني تآكلاً تدريجياً لخصوصية الإقليم العسكرية المستقلة وتحوله تحت القيادة المباشرة للمركز وسيجعل الأكراد الهدف الأكثر ضعفاً أمام الهجمات الأمنية والضغوط السياسية لطهران لإنهاء نشاط الأحزاب الكردية المعارضة























