بقلم: الدكتور اسماعيل الجنابي
تلجأ إيران إلى استهداف القواعد الأمريكية والمنشآت في الدول العربية بدلاً من القطع الحربية والقواعد عند مضيق هرمز لتبنيها استراتيجية “الردع الأفقي” وتفادي الصدام المباشر والشامل الذي قد يفكك منظومتها الدفاعية الحيوية عند المضيق.
تتحكم في هذا الخيار العسكري عدة أبعاد استراتيجية وعملياتية:
- تجنب المواجهة المباشرة وحفظ أوراق الضغط
- حماية مضيق هرمز: يمثل المضيق شريان الحياة الاقتصادي والدفاعي لإيران، واستهداف القطع الأمريكية هناك قد يدفع واشنطن لتدمير المنظومة الإيرانية بالكامل.
- تأجيل خيار المضيق: تحتفظ طهران بالسيطرة على المضيق كورقة ضغط أخيرة وعليا، ولا ترغب في استهلاكها مبكراً.
- استراتيجية “الردع الأفقي” وتوسيع كلفة الحرب
- نقل المعركة للخارج: تسعى إيران لإيصال رسالة بأن أي هجوم عليها لن يبقى داخل حدودها، بل سيمتد ليزعزع استقرار المنطقة بأسرها.
- تحميل الحلفاء الكلفة: تهدف الضربات إلى تدفيع الدول المستضيفة للقوات الأمريكية ثمن هذا التواجد، والضغط عليها لمنع استخدام أراضيها لمنطلق العمليات ضد إيران.
- الحسابات العسكرية والأهداف السهلة
- الرد بالمثل وبأقل خسائر: تتعامل طهران مع القواعد الأمريكية في دول الجوار كـ “أراضٍ أمريكية” بديلة جغرافياً للرد على مصادر التهديد دون الانزلاق لحرب برية أو بحرية مفتوحة.
- استغلال الوكلاء والجغرافيا: تتيح القواعد البرية المنتشرة في بعض الدول العربية أهدافاً ثابتة يمكن الوصول إليها بكفاءة عبر الطائرات المسيرة والصواريخ، مقارنة بالقطع البحرية المتحركة عسكرياً.
ولهذا تخشى إيران من الولايات المتحدة بعد فرض الحصار الخانق عدة سيناريوهات كارثية تهدد استقرار النظام وبقاءه، وتتمثل هذه المخاوف في النقاط التالية:
- الانهيار الاقتصادي والاضطرابات الداخلية
- تصفير الصادرات: تخشى طهران من نجاح واشنطن الكامل في منعها من تهريب النفط، مما يحرمها من السيولة النقدية.
- ثوران الشارع: تخشى القيادة الايرانية من أن يؤدي التضخم المفرط وانهيار العملة إلى احتجاجات شعبية واسعة تعجز الأجهزة الأمنية عن السيطرة عليها.
- شلل شبكة الوكلاء الإقليميين
- قطع التمويل: يهدد جفاف الموارد المالية قدرة إيران على دعم فصائلها المسلحة في العراق، وسوريا، واليمن، ولبنان.
- تفكك النفوذ: تخشى ايران من استغلال أمريكا وحلفائها هذا الضعف لتقويض نفوذها الإقليمي الذي بنته على مدى عقود.
- الاستهداف العسكري المباشر و”قطع الرأس“
- استغلال الضعف: تتخوف طهران من أن يكون الحصار تمهيداً لضربة عسكرية أمريكية تستهدف منشآتها النووية والحيوية وهي في أضعف حالاتها.
- الاغتيالات السياسية: تخشى طهران من عمليات استخباراتية دقيقة تستهدف القيادات العليا للنظام لإحداث فراغ في السلطة.
- التغيير القسري للنظام
- السقوط من الداخل: تخشى إيران أن يكون الهدف النهائي للحصار ليس دفعها للتفاوض، بل إنهاك الدولة حتى ينهار النظام تلقائياً أو عبر دعم انقلاب داخلي.
تتمثل أوراق الولايات المتحدة المقبلة لتعزيز الضغط على إيران في عدة مسارات استراتيجية (سياسية، واقتصادية، وعسكرية، واستخباراتية) تهدف إلى إحكام الخناق عليها وتفكيك عناصر قوتها، وهي كالآتي:
- تشديد الحصار المالي والاقتصادي
- استهداف شبكات الظل: ملاحقة قنوات تهريب النفط وشبكات الصرافة السرية في آسيا والشرق الأوسط لتجفيف ما تبقى من سيولة نقدية.
- الضغط الفدرالي: فرض عقوبات ثانوية صارمة على المصارف والشركات الدولية التي تسهل تعاملات طهران التجارية بشكل غير مباشر.
- تفعيل “آلية الزناد” والضغوط السياسية
- إعادة العقوبات الأممية: استخدام المسارات القانونية والدبلوماسية لإعادة فرض جميع عقوبات مجلس الأمن الدولي التي رُفعت سابقاً بموجب الاتفاق النووي.
- عزل الملف النووي: دفع الوكالة الدولية للطاقة الذرية لإصدار قرارات إدانة متتالية، تمهيداً لتحويل الملف كاملاً إلى مجلس الأمن الدولي كتهديد للأمن والسلم العالمي.
- تعزيز الردع العسكري وبناء التحالفات للإقليمية
- الدمج الدفاعي: تسريع بناء منظومة دفاع جوي وصاروخي موحدة تجمع حلفاء واشنطن في المنطقة لمواجهة المسيرات والصواريخ الإيرانية.
- استعراض القوة: تكثيف التحركات العسكرية، والمناورات المشتركة، ونشر القاذفات الاستراتيجية والدفاعات الصاروخية المتقدمة لإنشاء خط ردع عسكري مانع.
- الحرب السيبرانية والاستخباراتية
- شل البنية التحتية: شن هجمات سيبرانية متطورة تستهدف منشآت النفط، ومحطات الطاقة، وشبكات النقل والدفاع الإيرانية لإحداث إرباك داخلي.
- استهداف القيادات: مواصلة العمليات الاستخباراتية الدقيقة لضرب واغتيال العقول المدبرة للبرامج العسكرية (النووية والصاروخية) وقادة الفصائل الحليفة لها.
- دعم الحراك الداخلي واختراق العمق
- الحرب الرقمية: توفير تكنولوجيا إنترنت بديلة ومقاومة للحجب (مثل شبكات الأقمار الصناعية) لمساعدة المعارضة والداخل الإيراني على التواصل والتعبئة أثناء الاحتجاجات.
- الحروب النفسية والإعلامية: تكثيف الحملات الموجهة لتسليط الضوء على الفساد الداخلي وتوجيه الغضب الشعبي نحو سياسات النظام الخارجية.
النتائج والتوقعات
بناءً على التطورات الحالية حتى عام 2026، تتوزع خيارات الرد الإيراني ومواقف القوى الكبرى بين التصعيد المدروس والشراكات الاستراتيجية لمواجهة الضغوط الأمريكية:
أولاً: طبيعة الرد الإيراني المتوقع
تمتلك إيران استراتيجية “المقاومة النشطة” للرد على الأوراق الأمريكية، وتعتمد على المسارات التالية:
- التصعيد النووي الهادئ: رفع نسب تخصيب اليورانيوم وتقليص تعاونها مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، لاستخدام الملف النووي كورقة مساومة أخيرة لمنع أي ضربة عسكرية.
- تفعيل حرب الوكالة (الردع الإقليمي): تحريك فصائلها المسلحة في العراق، وسوريا، واليمن لتوجيه ضربات صاروخية وبالمسيرات ضد المصالح الأمريكية وحلفائها، ما يرفع كلفة الحصار على واشنطن.
- حرب الظل السيبرانية والبحرية: شن هجمات سيبرانية مضادة تستهدف البنية التحتية الغربية، إلى جانب مضايقة ناقلات النفط في الممرات المائية الحيوية لإرباك أسواق الطاقة العالمية.
- توسيع شبكات التهريب: تطوير “اقتصاد المقاومة” عبر ابتكار طرق جديدة لتهريب النفط والالتفاف على النظام المالي العالمي عبر العملات الرقمية والشبكات السرية.
وبناءً لهذه التوقعات تحرص موسكو وبكين على عدم سقوط النظام الإيراني، لكن لكل منهما حسابات وأهداف مختلفة ، تنظر روسيا إلى إيران كحليف استراتيجي حيوي في مواجهتها مع الغرب، وتعتمد على التعاون العسكري المتبادل (خاصة في مجال المسيرات والصواريخ وتقنيات الدفاع الجوي) وإفشال العقوبات من خلال بناء ممرات تجارية بديلة خارج الهيمنة الأمريكية، مثل ممر “شمال – جنوب” البري والبحري للالتفاف على الحصار المالي.
اما الموقف الصيني الذي يعتبر ايران بمثابة شريان الحياة الاقتصادي باعتبار المشتري الأول للنفط الإيراني المهرب عبر “أسطول الظل”، والرافضة للعقوبات الأمريكية أحادية الجانب وتوفر لطهران السيولة النقدية الأساسية لبقاء ديمومة اقتصادها ، اضافة الى تقديم الدعم السياسي لطهران في المحافل الدولية (مثل مجلس الأمن ومجموعة بريكس)، لكنها تتجنب الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة مع واشنطن لحماية مصالحها التجارية الضخمة مع الغرب ودول الخليج.























