بقلم: ذكرى البياتي
في ذاك الكافيه الذي دخلته للمرة الأولى، كان ثمة شيءٌ ما يجذبني إليه دون أن أعرف السبب… وحين دخلته، شعرت أن روحي قد سكنت فجأة، بينما كانت دقات قلبي تتسارع وكأنها تستقبل شيئًا تعرفه قبل أن تراه.
كنت بالقرب من ضفاف النيل، وحينها هدأت دقات قلبي شيئًا فشيئًا، وطربت روحي مع أغنية «دارت الأيام» لسيدة الغناء العربي، وكأن الأغنية كانت تعرف شيئًا عن تلك اللحظة أكثر مني.
وفي خضم ذلك الهدوء، سمعت صوتًا جعل الفضول يأمر عيناي أن تبحثا عن عينيك.
كان في كلماتك نبرة الصعيد، وفي حضورك شيء من الهيبة التي تُهاب، فاستيقظت في ذاكرتي صورة قديمة…
أنتَ من كنتَ معي في ساحة المطار!
لحظة صغيرة، ربما لم تكن تعني لك شيئًا، لكنها بالنسبة لي كانت بداية حكاية لم أكن أعرف أنها ستأخذ كل هذا المكان في ذاكرتي.
بدأت قصتي معك بنظرة وكلمة بسيطة، ثم تحولت مع الأيام إلى مشاعر عميقة.
في البداية كانت النظرات والكلمات بيننا عابرة؛ كلمتين أو ثلاثًا، لا شيء معقد، ولا شيء يوحي بأن خلفها حكاية طويلة. كان كل شيء عابرًا في أرواحنا، حديثًا يتنقل بيننا كالريح، يأتي ثم يمضي دون أن نلتفت إليه.
لكنني لم أكن أعرف أن تلك الكلمات الصغيرة كانت بذورًا ستنبت في داخلي يومًا بعد يوم، وأنها ستكبر بشكل يفوق ما كنت أتوقع.
كان كل شيء يبدو بسيطًا في البداية، لكن مع مرور الوقت بدأت تلك النظرات والكلمات تتحول إلى مشاعر أعمق… مشاعر كانت تملأ قلبي شيئًا فشيئًا، حتى أصبحت جزءًا مني، جزءًا لا أستطيع تجاهله، ولا أعرف كيف أهرب منه.
ولعل الغريب في الحكايات الجميلة أنها لا تخبرنا متى تبدأ، ولا متى تصبح شيئًا يسكننا.
فربما تبدأ بنظرة لا نلقي لها بالًا، وبكلمة عابرة لا نحفظها، ثم نجد أنفسنا بعد زمن نبحث عن تلك النظرة، ونستعيد تلك الكلمة، ونسأل بصمت: كيف استطاعت لحظة صغيرة أن تكبر فينا إلى هذا الحد؟
تعالَ أنا وأنتَ نخترع أبجدية جديدة…
أبجدية لا يعرفها سوانا، نكتب فيها ما عجزت الكلمات القديمة عن قوله، فيها أزفُّ إليك اشتياقي، وأغلف بها حنيني الدائم لعينيك وللنيل.
أبجدية أرتل فيها أحرف اسمك، وأعطرها بمياه النيل، كما لو أنني أتصفح كتابًا مقدسًا؛ كلما مررت باسمك بين صفحاته، غمرني شعور بالطمأنينة، وكأنه لحنٌ من ألحان عبد الوهاب، يأتي من بعيد فيوقظ في الروح شيئًا نام طويلًا.
لقد ضاقت الأحرف والكلمات في أسفل حنجرتي، وتعثرت اللغة على عتبات البوح…
أما من لغة أجد فيها ما تعثر به اللسان؟
أما من كلمة تستطيع أن تحمل كل هذا الحنين دون أن تسقط من ثقل الشعور؟
وكلماتي… أما من قصيدة تُكتب وتُبعث إليك، ولو حملت بين أبياتها قليلًا من اشتياق قلبي؟
أما من رشفة أمل ألتقيها بالقرب منك، فأخبر النيل أنني ما زلت أبحث بين موجه وهدوئه عن لحظة تجمعني بك؟
فأنا، رغم المسافات، ما زلت أترك شيئًا مني هناك…
على ضفاف النيل.
هناك حيث بدأت الحكاية بنظرة، وكلمة، وصوتٍ جاء من بعيد…
وهناك حيث ما زالت روحي، كلما سمعت أغنية، أو مرّ طيف النيل في ذاكرتي، تعود إلى تلك اللحظة الأولى، وكأن الزمن لم يمضِ.
وما زلتُ هائمةً على ضفاف النيل، لا أبحث عن شيء سوى لقياك…
لعلّ النيل يعرف الطريق إليك، ولعلّ الموج يحمل إليك يومًا رسالةً كتبتها روحي قبل أن تكتبها يداي.























