بقلم” د. راهب صالح الخليفاوي
حقوقي وباحث في الشأن العراقي والإيراني
ليس من قبيل الصدفة أن تتزامن التصريحات الأخيرة لقادة الإطار التنسيقي بشأن نزع سلاح المليشيات وحصره بيد الدولة مع تصاعد الضغط الأميركي والدولي على ملف السلاح المنفلت في العراق غير أن المفارقة الصادمة تكمن في أن الجهة التي تتظاهر اليوم بالقلق على سيادة الدولة هي ذاتها التي صنعت الفوضى وأن القوة الدولية التي تدعي السعي لضبط هذا السلاح هي نفسها التي وضعت الأساس السياسي والأمني والقانوني لنشوء هذه المليشيات منذ عام 2003
إن السردية السائدة التي تحصر مسؤولية المليشيات بإيران وحدها هي سردية ناقصة ومضللة فالواقع التاريخي يؤكد أن الولايات المتحدة الأميركية منذ لحظة احتلال العراق أسست بيئة مثالية لولادة المليشيات ليس فقط عبر حل الجيش العراقي وتفكيك مؤسسات الدولة بل عبر إعادة هندسة النظام السياسي على أساس المحاصصة وهو الإطار الذي تنفست منه المليشيات وتحولت داخله إلى أدوات سلطة
في ظل الإدارة الأميركية جرى تسليم السلطة لقوى سياسية ذات أجنحة مسلحة وغض الطرف عن تشكيل فصائل مسلحة بذريعة مقاومة الإرهاب ودمج عناصر غير نظامية في الأجهزة الأمنية دون عقيدة وطنية واضحة وبهذا المعنى لم تكن المليشيات انحرافا عن المشروع الأميركي في العراق بل أحد منتجاته المباشرة
مع صعود تنظيم داعش استخدم الخطر الإرهابي ذريعة لإطلاق يد الفصائل المسلحة فجرى تقديمها كشريك ميداني ثم جرى لاحقا تشريع وجودها وهنا لا يمكن تجاهل أن واشنطن بدل أن تتعامل مع هذه الفصائل بوصفها خطرا بنيويا على الدولة تعاملت معها كأمر واقع ثم كشريك مؤقت ثم كجزء من المنظومة الأمنية
والنتيجة كانت كارثية آلاف المختطفين والمغيبين قسرا مجازر طائفية موثقة تدمير مدن بكاملها ترسيخ ثقافة الإفلات من العقاب وكل ذلك جرى تحت أعين القوات الأميركية وفي كثير من الأحيان بتنسيق غير معلن معها
لا يمكن إعفاء إدارتي باراك أوباما وجو بايدن من المسؤولية التاريخية ففي عهد أوباما جرى التسليم الكامل بسياسات نوري المالكي رغم علم واشنطن بتورطه في عسكرة الدولة وتغذية الانقسام الطائفي والسكوت عن توسع نفوذ الفصائل المسلحة مقابل انسحاب أميركي منظم
أما في عهد بايدن فقد استمر النهج ذاته ولكن بصيغة أكثر برودا إدارة الأزمة بدل حلها والاكتفاء بالضربات المحدودة دون معالجة الجذور وترك العراق رهينة لتوازن هش بين طهران والفصائل التابعة لها إن هذا السلوك الأميركي لا يمكن وصفه بالخطأ فقط بل بالتواطؤ السياسي لأنه سمح للمليشيات بأن تتحول من أدوات مؤقتة إلى دولة داخل الدولة
في هذا السياق يخرج قادة الإطار التنسيقي اليوم ليتحدثوا عن نزع السلاح في مشهد أقرب إلى العبث السياسي فهؤلاء هم من شرعن وجود الفصائل ومن وفر لها الغطاء القانوني والمالي ومن استخدمها لقمع الخصوم وتصفية المعارضين وعلى رأس هذه المنظومة يقف نوري المالكي الذي لعب الدور المركزي في تحويل الدولة إلى حاضنة للمليشيات ثم عاد اليوم ليقدم نفسه عبر أدواته كجزء من الحل إنها قمة التحايل السياسي أن يطالب من بنى السجن بمفتاح الحرية
إن الحديث عن دمج المليشيات أو إحالة بعض قادتها إلى التقاعد لا يعني تفكيكها بل يعني إعادة تدوير النفوذ وتغيير الشكل دون المساس بالمضمون ونقل الولاء من العلن إلى الظل والأخطر من ذلك أن هذا السيناريو يحظى بقبول أميركي ضمني طالما أنه يضمن الهدوء المؤقت ويمنع الانفجار المباشر
ما يجري اليوم ليس مشروع دولة بل صفقة جديدة إيران تحافظ على نفوذها بأقل كلفة الإطار التنسيقي ينجو من المساءلة والولايات المتحدة تدير الأزمة دون أن تتحمل تبعاتها الأخلاقية أما الضحية الدائمة فهو الشعب العراقي الذي دفع ثمن هذه المليشيات قتلا وخطفا وتهجيرا ثم يطلب منه اليوم أن يصدق أن من قتله سيحميه ومن غيبه سيبني له دولة
إن معركة نزع السلاح في العراق لا يمكن أن تحسم بالشعارات ولا بالمسرحيات السياسية إنها معركة تفكيك منظومة كاملة تبدأ بمحاسبة من أسس ورعى وشرعن سواء كان في بغداد أو واشنطن وأي حديث لا يضع الدور الأميركي في صلب المسؤولية هو حديث منقوص يساهم بقصد أو دون قصد في إعادة إنتاج المأساة
























