بقلم: بقلم: مارك ج. سيفرز
(سفير الولايات المتحدة لدى سلطنة عُمان 2016-2019)
في عالم تنهشه النزاعات، تظل الحاجة إلى “طرف ثالث” موثوق هي الخيط الرفيع الذي يمنع الانفجار الشامل. لعقود، أتقنت سلطنة عُمان هذا الدور، وحولته إلى فن سياسي جعل منها “صندوق بريد” لا غنى عنه لواشنطن وعواصم العالم. لكن اليوم، يبدو أن هذا الإرث يتآكل بسرعة مثيرة للقلق.
إن الفشل الشامل الذي منيت به الدبلوماسية العُمانية مؤخراً ليس مجرد سقطة عابرة، بل هو جرس إنذار للسلطان هيثم بن طارق. لقد وقعت مسقط في الفخ الذي حذر منه الحكماء: “إذا وجدت نفسك في حفرة عميقة، فتوقف أولاً عن الحفر”.
*خطيئة “الوسيط الصاخب”*
في أبجديات السياسة الدولية، ينقسم الوسطاء إلى فئتين: “الكبار الصاخبون” الذين يملكون قوة الإرغام، و”الصغار الهادئون” الذين يملكون قوة الثقة والحياد. عُمان نجحت تاريخياً لأنها كانت نموذجاً للنمط الثاني.
في عهد السلطان الراحل قابوس بن سعيد، كانت العلاقة مع طهران “واقعية” وليست “ارتهانية”. استخدم قابوس خيوطه مع نظام الملالي لتأمين صفقات كبرى — من إطلاق سراح المتجولين الأمريكيين في 2009 إلى تمهيد الطريق للاتفاق النووي في 2015 — لكنه لم ينسَ قط أن بوصلته الاستراتيجية مرتبطة بلندن وواشنطن. كان صديقاً للجميع، لكنه لم يكن وكيلاً لأحد.
*انحراف المسار: التخلي عن عباءة قابوس*
ما نراه اليوم هو نقيض ذلك تماماً. لقد تراجعت جودة الوساطة العُمانية لتتحول إلى انحياز مكشوف أدى إلى أربع كوارث دبلوماسية:
1. *الفشل في منع الحرب* رغم ادعاء القرب من جميع الأطراف.
2. *تصدع الثقة مع واشنطن* بشكل لم يسبق له مثيل.
3. *العزلة الخليجية* والابتعاد عن الإجماع الإقليمي.
4. *العجز عن حماية الذات*، حيث لم تمنع “الصداقة” مع طهران وقوع هجمات على الأراضي العُمانية.
لقد تجاوز وزير الخارجية العماني، بدر البوسعيدي، الخطوط الحمراء للوساطة التقليدية. عندما ظهر على شاشات التلفزيون الأمريكي عشية اندلاع النزاع ليردد الرواية الإيرانية حول “سلام في المتناول”، بينما كانت الصواريخ تستعد للانطلاق، لم يكن يتصرف كوسيط بل كمتحدث باسم طرف واحد. هذا السلوك دفع الرئيس ترامب، في خطابه الأخير، لتقديم الشكر لجميع حلفاء الخليج بالاسم، مستثنياً عُمان في “تجاهل مقصود” يحمل دلالات خطيرة.
*ارتهان للمجهول؟*
المثير للدهشة هو استمرار مسقط في هذا النهج رغم الهجمات الإيرانية المستمرة بالمسيرات والصواريخ التي طالت الجوار (بل وعُمان نفسها). بينما كانت دول مجلس التعاون تجتمع في جدة لتنسيق رد موحد على العدوان الإيراني، كانت مسقط “الغائب الوحيد”، وبدلاً من ذلك، استقبلت وزير خارجية طهران في استعراض لـ “التواصل الطبيعي” فوق أنقاض الثقة الإقليمية.
إن مقترح “الإدارة المشتركة لمضيق هرمز” الذي طرحته طهران، وزيارة المسؤولين العمانيين لإيران في عز الأزمة، يعززان الانطباع بأن مسقط لم تعد تقف في المنتصف، بل انتقلت إلى الخندق المجاور.
*رسالة للسلطان: العودة إلى “الهدوء والهدوء”*
إن الدبلوماسية ليست منصة للاستعراض الإعلامي لوزراء الخارجية، بل هي أداة لحماية المصالح الوطنية العليا. لقد قدمت باكستان نموذجاً حين تراجعت عن تصريحات حادة لمسؤوليها من أجل الحفاظ على دور الوسيط.
يحتاج السلطان هيثم بن طارق إلى وقفة تأمل عميقة في المسار الحالي. الاستمرار في هذا النهج لا يخدم عُمان، بل يعزلها عن عمقها الخليجي وشراكتها التاريخية مع الغرب. لقد حان الوقت لتعود عُمان إلى استراتيجية “الهدوء والهدوء” التي بناها قابوس، قبل أن تجد نفسها وحيدة في حفرة لم تحفرها لنفسها، لكنها استمرت في تعميقها بيديها.



























