بقلم: الدكتور اسماعيل الجنابي
تمتلك باكستان أوراق ضغط استراتيجية متزنة تجعلها وسيطاً قادراً على التأثير في مواقف الطرفين الأميركي والإيراني، ويتجاوز دورها من مجرد ناقل الرسائل ليشمل ممارسة نفوذ فعال عبر قنوات خلفية لتليين مواقف أقرب إلى “الدبلوماسية القسرية” لتمرير المطالب، وليس كوسيط نزيه ، حيث يتمثل دورها في ممارست ضغوطاً حقيقية لإعادة طهران وواشنطن إلى طاولة المفاوضات، وتمتلك القدرة على التأثير في وجهات نظر الجانبين لتمرير حزمة مطالب الإدارة الأميركية أكثر من كونها طرفاً ثالثاً مستقلاً وهي محاولة للتموضع الاستراتيجي عبر قيادتها السياسية والعسكرية لتتحول إلى شريك إقليمي موثوق لا غنى عنه، وتقديم نفسها كبديل للوساطات الخليجية التقليدية.
أوراق الضغط تجاه إيران
تتمثل المخاوف الأمنية المشتركة من خلال حدود إيران الشرقية سواء عبر تفعيل أو كبح التعاون الأمني والاستخباري لضبط نشاط الجماعات المسلحة والبلوشية الانفصالية على الحدود المشتركة الممتدة وكذلك الشريان الاقتصادي والتجاري، حيث تمثل باكستان متنفساً حيوياً لإيران لتخفيف العزلة الاقتصادية عبر التبادل التجاري والمشاريع الإقليمية المشتركة مثل مشروع خط أنابيب الغاز ، ناهيك عن البعد الإسلامي الشيعي على اعتبار ان باكستان واحدة من أكبر الجاليات الشيعية في العالم خارج إيران، ما يمنح إسلام أباد ثقلاً اجتماعياً ودينياً يؤثر في حسابات طهران الإقليمية.
أوراق الضغط تجاه الولايات المتحدة
يكمن الموقع الجيوسياسي لباكستان اهمية كبيرة عبر سيطرتها على خطوط الإمداد الحيوية والممرات المؤدية إلى أواسط آسيا وأفغانستان، وهو ما يجعل واشنطن بحاجة دائمة للتنسيق العسكري واللوجستي معها ، اذا ما اخذنا بنظر الاعتبار الملف النووي والردع كونها القوة النووية الوحيدة في العالم الإسلامي ما تمنحها ثقلاً استراتيجياً لا يمكن لواشنطن تجاوزه عند صياغة معادلات الأمن في جنوب وغرب آسيا ، يضاف الى ذلك قدرتها على التأثير في الحلفاء ، حيث تمتلك المؤسسة العسكرية الباكستانية قنوات اتصال وثيقة مع أطراف إقليمية حليفة لأمريكا، ما يمكنها من صياغة تفاهمات أمنية أوسع تتجاوز مجرد نقل المطالب.
ولهذا تتخوف باكستان من انهيار المفاوضات الأميركية – الإيرانية وانزلاق المنطقة نحو حرب شاملة؛ لأنها ستكون المتضرر المباشر الأكبر من هذا السيناريو جيوسياسياً وأمنياً واقتصادياً.
وتتمحور مخاوف إسلام آباد حول عدة ملفات حرجة تتمثلب اشتعال جبهة الحدود واختراق الأمن القومي ، الأمر الذي ينتج عنه تغذية الحركات الانفصالية ، تخشى باكستان أن يؤدي أي صراع عسكري في إيران إلى فوضى أمنية تتيح لـ”جيش تحرير بلوشستان” والحركات المسلحة ممارسة نشاط أكبر بحرية على الحدود المشتركة وهذا ما يجعلها امام معضلة الأجسام الثلاثة المتمثلة ( جبهة الحدود الأفغانية (طالبان الباكستانية و جبهة التمرد البلوشي الايراني و الجبهة التقليدية التاريخية مع الهند ) لان فتح جبهة توتر مع إيران يعني تشتت القدرات العسكرية والأمنية للبلاد والخشية من اندلاع الفتنة الطائفية والاضطراب الداخلي ، حيث تحتضن باكستان قرابة 40 مليون مواطن من الطائفة الشيعية وان أي ضربات عسكرية واسعة ومباشرة ضد إيران قد تنقل التوتر الجيوسياسي إلى الداخل الباكستاني على شكل اضطرابات اجتماعية واحتجاجات طائفية تهدد السلم الأهلي ، اضافة الى أزمة ميناء ومضيق هرمز ، حيث تعتمد باكستان بشكل شبه كامل على الممر المائي الخليجي لاستيراد النفط والسلع وأي إغلاق للمضيق أو حرب بحرية سيتسبب في شلل اقتصادي لباكستان التي تعاني أساساً من تضخم مرتفع وأزمة نقد أجنبي خانقة يكلفها خسارة الاستثمارات، على اعتبار ان الحرب ستطيح بمشاريع الربط الاستراتيجي الإقليمي، وفي مقدمتها خط أنابيب الغاز الإيراني الباكستاني والتبادل التجاري الحدودي المشترك ، كما تخشى باكستان أن يفرض عليها الصراع خيارات دبلوماسية قسرية؛ لارتباطها بشراكة أمنية وعسكرية عميقة مع السعودية والدول الخليجية وفي الوقت نفسه تحتفظ بعلاقات حسن جوار مع طهران، والدفاع عن مصالحها الحيوية مع واشنطن ولهذا ان أي اصطدام بين هذه الأطراف سيضع إسلام آباد في مأزق سياسي لا ترغب فيه.
النتائج والتوقعات
تشير التحركات الجارية والتصريحات الدبلوماسية إلى أن إسلام آباد وضعت بالفعل اللمسات الأخيرة على مسودة اتفاق مرحلي لبناء الثقة بين الاطراف المتخاصمة قد تفضي الى تسوية مرحلية تركز على قضايا محددة تتمثل بتقديم تنازلات إيرانية تدريجية في ملف تخصيب اليورانيوم، مقابل إفراج أمريكي مجدول عن الأموال الإيرانية المجمدة (والتي تطالب طهران بـ 24 مليار دولار منها كإثبات حسن نية) في حين يصطدم التفاؤل السياسي الباكستاني بعقبات فنية وشروط متبادلة مستمرة تتغير بمرور الوقت وتعرقل الصياغة النهائية تتعلق بالعقدة النووية والأرصدة المالية وسقف المطالب الإيرانية برفع الحصار الكامل عن الموانئ واستعادة الأرصدة المالية معلقاً، في حين تصر إدارة “دونالد ترامب” على توضيح حاسم لكافة تفاصيل التفتيش والالتزام بوقف التخصيب لمدد طويلة قبل تقديم أي تنازل اقتصادي جوهري وهو التهديد الأكبر للوساطة الباكستانية، حيث يتحرك الميدان العسكري باتجاه معاكس تماماً للغة الدبلوماسية الدافئة بعد تزايد الاحتكاكات البحرية والجوية (مثل إسقاط الجيش الأمريكي لمسيّرات إيرانية فوق مضيق هرمز، واستهداف الحرس الثوري لقواعد تابعة لأمريكا في المنطقة) ما يجعل الهدنة القائمة منذ أبريل 2026 قابلة للانفجار في أي لحظة.

























