بقلم: عبدالهادي النجار
لطالما مثّلت المرجعية الدينية في الوجدان العراقي وتحديداً لدى المكون الشيعي الذين يشكلون ٤٠٪من الشعب العراقي صمام أمان ورمزية روحية تتجاوز الحسابات الحزبية الضيقة. إلا أن المشهد السياسي العراقي منذ عام 2003 شهد بروز ظاهرة مثيرة للجدل بالإقحام المتعمد للمؤسسة الدينية لجزء من الشعب في وحل التجاذبات السياسية من قبل قوى تفتقر للقاعدة الشعبية الحقيقية.
تستند هذه الإشكالية إلى مفارقة رقمية واجتماعية فبينما يُقدر المكون الشيعي بنحو 40% من خارطة الديموغرافيا العراقية نجد أن الغالبية العظمى من العراقيين بما في ذلك قطاعات واسعة من الشيعة أنفسهم باتت ترفع شعار الدين لله والوطن للجميع مطالبةً بكف يد العمائم عن التدخل بمفاصل الدولة السيادية.
لماذا يحتمي ((السياسي الفاسد)) بالمرجعية كلما تعرضت مكاسبهم للخطورة؟
لا ينبع تمسك بعض السياسيين بالشعارات الدينية من إيمانٍ عقدي بقدر ما هو تكتيك بقاء ويمكن تحليل أسباب هذا الإقحام في النقاط التالية:
1.صناعة القداسة الزائفة فحين يفشل السياسي في تقديم منجز خدمي أو اقتصادي يلجأ لتغليف فشله بصبغة دينية. إقحام اسم المرجع أو الرمز الديني يمنح السياسي الفاسد والفاشل حصانة أخلاقية تجعل نقد أدائه يبدو وكأنه نقد للمذهب أو الدين نفسه رغم انه لايوجد مبرر او سبب منطقي اخلاقي او سياسي او قانوني يبرر فرض توصية من معممين لطائفة معينة لفرض ارادتهم على كل العراقيين وفيهم مسلمين ومسيحيين ويزيديين وصابئة وكلدان ووو من مكونات الشعب العراقي وان قبل البعض ذلك سابقا فلم يعد مقبولا بعد الان؟! فكل العراقيين 60% يحترمون اخوانهم من الشيعة ولكنهم لايقبلون بعد الان بفرض اي شيئ عليهم تحت اي مسمى او سبب سيما عندما يتعلق الأمر بمسار حياتهم واستقرارها وماتعرض فيه البلد من كوارث ونكبات طيلة ٢٣ عاما من الذين حكموا باسم الطائفة رغم برائها منهم ومن افعالهم ؟!
2.التجييش العاطفي: يعتمد الفساد السياسي على انقسام المجتمع. من خلال تصوير الدولة كساحة صراع طائفي يحاول هؤلاء السياسيون الفاسدون إقناع جمهورهم البسيط من عامة الشيعة بأن العمامة هي الحامي الوحيد لوجودهم وبأن الدولة المدنية هي تهديد لهويتهم وذلك لضمان استمرار هيمنتهم على السلطة بكل الوسائل غير المشروعة بما فيها الانتخابات المزورة؟!.
3.الهروب من المساءلة:إن زج المرجعيات في شؤون الدولة يخلق منطقة رمادية فالمسؤول الفاسد يبرر قراراته الفاشلة بأنها رؤية شرعية أو مباركة من الجهات العليا مما يعطل أدوات الرقابة القانونية والشعبية.
صوت الـ 60%: نحو دولة المواطنة لا المكونات
في المقابل تشكل النسبة المتبقية من الشعب العراقي بالإضافة إلى التيار المدني الواسع داخل البيت الشيعي كتلة حرجة ترفض تسييس الدين. هذه الفئة ترى أن:
١-المرجعية شأن روحي: وان وظيفة المرجع هي الإرشاد الأخلاقي والاجتماعي لا علاقة له بالسياسة والدولة وليست إدارة وزارات النفط والكهرباء أو صياغة العقود الاستثمارية.
٢-الدولة لكل شعبها: ان إقحام الدين والطائفة في السياسة يؤدي بالضرورة إلى إقصاء الآخر 60% من العراقيين (المختلفين دينياً أو لادينياً) مما ينسف مبدأ المواطنة المتساوية الذي نص عليه الدستور.
٣-حماية الدين من السياسة: يرى الكثير من العراقيين والحكماء أن أعظم إساءة للمؤسسة الدينية سيما للطائفة الشيعية الكريمة تأتي من توريطها في قرارات سياسية مشوبة بالفساد مما يؤدي إلى تراجع ثقة الشباب بالدين نفسه نتيجة أخطاء السياسيين المتدينين وهذا للأسف ماحدث ولايزال يحدث في العراق منذ احتلاله؟!
٤-المرجعية ترفض والسياسيون يتشبثون
من الجدير بالذكر أن المرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف وفي مناسبات عديدة أعلنت بوضوح مبدأ المجرب لا يُجرب وأغلقت أبوابها بوجه السياسيين الفاسدين في محاولة صريحة لفك هذا الارتباط القسري.
إن محاولة خصخصة المرجعية لصالح فئة سياسية فاشلة هي عملية اختطاف للهوية الوطنية. فالعراق بتنوعه العظيم لا يمكن أن يُدار بعقلية المكون الواحد أو الوصاية الدينية لطائفة واحدة بل بعقلية الدولة المؤسساتية التي تحترم الدين كمقدس وتعتمد الكفاءة كمعيار وحيد لإدارة شؤون الناس…. إن بقاء العراق مرهون بقدرته على فصل قدسية المنبر عن صراعات البرلمان فالطائفة تسع كل الشيعة بروحانيتها لكن الدولة لا تسع الجميع إلا بقوانينها المدنية.




























